دكتور محمد الشافعي
لا يُولد الإنسان قاسيًا، ولا تنشأ القسوة في قلبه فجأة، بل تتراكم فيه كما تتراكم طبقات الرمل على صخرة صامدة تهبّ عليها الرياح عامًا بعد عام. فالأصل في الإنسان اللين والرقة، والروح حين تخرج إلى الدنيا تكون خفيفة، شفافة، مُهيّأة لأن تمنح الخير وأن تستقبل الحب دون حذر. لكن الأيام حين تُسيء إلى الطيبين، تُعلّمهم على مهل أن القلب الرقيق قد يكون أحيانًا عبئًا لا نعمة.
يصبح الإنسان قاسيًا عندما يدرك أن طيبة قلبه لم تكن جسرًا للود، بل كانت منفذًا يمر منه الآخرون ليؤذوه دون أن يشعروا. يصبح قاسيًا حين يكتشف أن صمته حُمِل على الضعف، وأن عطاؤه فُسّر على أنه واجب، وأن صبره اعتُبر خوفًا أو خضوعًا. وحين تتكرر الخيبات، وتتعاقب الضربات، يتعلم القلب – رغمًا عنه – أن يحمي نفسه بالتصلب لا باللين.
القسوة هنا ليست طبعًا جديدًا، بل درعًا صُنع من أثر الجراح. هي محاولة يائسة لئلا ينكسر ما بقي من الداخل. ولذلك، فالقاسي في جوهره ليس إلا طيبًا أرهقته التجارب، وشخصًا تعب من أن يكون نقطة الضوء الوحيدة في طرق مظلمة.
ومع ذلك، يبقى في داخل القلوب الطيبة شيء لا تُطفئه الأيام مهما قست؛ جمرة صغيرة من الرحمة تظل مشتعلة، تنتظر لحظة صدق، أو يدًا تمتد بإنصاف، أو قلبًا يفهم. عندها فقط يلين الحديد، وتعود الطيبة كما كانت، نقية ولكن أكثر وعيًا، مشرقة ولكن أكثر حذرًا.
فالقسوة ليست نهاية الإنسان، بل استراحة قلبٍ أثقلته الطيبة، ونهضة روح تعلمت معنى أن تحب نفسها كما كانت تحب الآخرين..


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق