2026-11-08

حين تسقط الأقنعة

 


دكتور محمد الشافعي

لا تنخدع بكثرة من يحيطون بك، ولا تجعل عبارات المديح والإعجاب، والضحكات المتبادلة، وجلسات الأنس والخروج، معيارًا للحكم على حقيقة الناس. فهذه مظاهر يسهل أن تتوافر في أوقات الصفاء والرخاء، ولا تكشف بالضرورة عن أصالة النفوس أو صدق المودة.

أما حين تضيق الأحوال، وتفرض الظروف امتحانها، وتتبدل طبيعة العلاقة من تبادل المجاملات إلى انتظار موقف حقيقي، فهناك تتراجع الكلمات وتتقدم الأفعال، وتتكشف معادن البشر.

كم من إنسان ظننت أنك تعرفه جيدًا، واعتقدت أن بينك وبينه من الود ما يكفي لمواجهة المواقف الصعبة، فإذا به يتوارى حين تحتاج إليه، ويبحث عن الأعذار حين تنتظر منه موقفًا. وفي المقابل، قد يفاجئك إنسان لم تكن تضعه في دائرة المقربين، فيكون حضوره أصدق من حضور كثيرين طالما أحسنوا التعبير عن مودتهم.

إنها لحظة كاشفة، لا تحتاج إلى كثير من الكلام؛ فموقف واحد قد يهدم صورة ظلت سنوات في ذهنك، وموقف آخر قد يمنح صاحبه مكانة لم تكن تخطر لك من قبل.

وليس المقصود أن يضحي الآخرون من أجلنا، أو أن يحملوا عنا ما يفوق طاقتهم، فلكل إنسان ظروفه وحدوده، لكن ثمة فارقًا لا تخطئه العين بين من تعوقه قدرته عن المساعدة، ومن يتخلى بإرادته، وبين من لا يستطيع الحضور ومن لا يعنيه الغياب.

والحقيقة أن بعض الناس يريدون من العلاقات متعتها دون مسؤولياتها؛ يحرصون على مشاركتك أوقات الفرح، ويجيدون تبادل عبارات الود، لكنهم لا يجدون في أنفسهم ما يدفعهم إلى الوقوف بجوارك حين تصبح العلاقة بحاجة إلى موقف، لا إلى مجاملة.

لهذا، لا تمنح أحدًا مكانة لمجرد حسن حديثه، ولا تخلط بين كثرة المخالطة وأصالة المودة. فالأيام الجميلة تكشف براعة البعض في المصاحبة، أما الشدائد فتكشف حقيقة ما وراء تلك المصاحبة.

وفي حسابات العلاقات، لا أعتد كثيرًا بمن شاركوني الضحك، ولا بمن أغدقوا عليّ عبارات الثناء، بقدر اعتدادي بمن وجدتهم إلى جواري حين احتجت إليهم. أحصي هؤلاء جيدًا، ولا أضيف إليهم أحدًا لمجرد أنه أحسن مشاركتي أوقات الرخاء.

فليس كل من شاركك أفراحك صاحب موقف، وليس كل من غاب عنك متخليًا، ولكن من أثبتت الأيام صدق وقوفه إلى جوارك، يستحق أن تحفظ له مكانته.

ليست هناك تعليقات: