دكتور محمد الشافعي
ليس المطلوب أن تبتعد عن الناس، بل أن تضع كل إنسان في المكان الذي يناسبه. فليس المطلوب أن تهرب من الناس، بل أن تُعيد ترتيبهم في معجم حياتك. والقرب لا يعني الحب، والبعد لا يعني الجفاء.
وليست كل المسافات تعني جفاء، كما أن القرب ليس دائمًا دليلًا على المحبة. فمع مرور الأعوام، يكتشف الإنسان أن أثمن ما يملكه ليس عدد من يعرفهم، بل هدوء قلبه، وأن أكثر ما يستنزفه ليس العمل ولا مشقة الحياة، وإنما العلاقات التي تجاوزت حدودها حتى أثقلت الروح وأرهقت العقل.
يأتي وقت يدرك فيه المرء أن بعض الصفحات لا تستحق إعادة القراءة، وأن أجمل ما يمكن أن يفعله مع الماضي هو أن يطويه في هدوء، لا في غضب. فيقول: عفا الله عما مضى، لا لأنه نسي، ولا لأنه عجز عن الرد، بل لأنه أدرك أن حمل الضغائن عبءٌ لا يستحق أن يرافقه فيما بقي من عمره.
غير أن العفو لا يعني إلغاء الذاكرة، ولا محو الدروس التي دفعت الحياة ثمنها. فالعاقل لا يعيش أسيرًا لجراحه، لكنه كذلك لا يسمح لها أن تتكرر. يسامح بقلبه، ويحتفظ بعقله يقظًا، لأن التجربة التي لا تصنع حكمة، تعود يومًا لتصنع ألمًا جديدًا.
ومن علامات النضج أن يكف الإنسان عن محاولة إدخال الجميع إلى دائرة حياته الخاصة. فليس كل من صافحك يستحق أن يعرف أسرارك، وليس كل من ابتسم لك يستحق أن يشاركك تفاصيل أيامك. هناك من يليق به الاحترام، وهناك من يليق به الود، وهناك من تكفيه تحية عابرة، دون أن يتجاوز ذلك.
إن العلاقة السطحية مع كثير من الناس ليست نقصًا في الأخلاق، بل اكتمال في الوعي. فهي لا تعني التعالي، ولا الجفاء، ولا سوء المعاملة، وإنما تعني أن تمنح كل علاقة حجمها الطبيعي، فلا تُحمّلها ما لا تحتمل، ولا تمنحها من وقتك ومشاعرك أكثر مما تستحق. فالقلوب لها طاقة، والأعمار أقصر من أن تُهدر في علاقات تستنزف ولا تُثمر.
ولعل أكثر ما يحفظ الإنسان من الخيبات هو احترام الحدود. فالحدود ليست أسوارًا تعزلنا عن الناس، بل أبوابًا نعرف متى نفتحها، ولمن نفتحها، ومتى نغلقها في هدوء. إنها الحكمة التي تمنع الخصومات قبل وقوعها، وتقلل سوء الفهم، وتحفظ المودة حين يكون استمرارها ممكنًا، وتحفظ الكرامة حين يصبح الفراق هو الخيار الأفضل.
وما أكثر الذين يظنون أن عليهم أن يفسروا مواقفهم للجميع، أو يرضوا الجميع، أو يحتفظوا بكل العلاقات مهما كانت مؤذية. والحقيقة أن الإنسان لا يُقاس بعدد من يحيطون به، بل بقدر السلام الذي يسكن داخله. فما قيمة صحبةٍ تُذهب الطمأنينة؟ وما نفع علاقةٍ تُثقل القلب أكثر مما تُسعده؟
إن أجمل ما يمنحه العمر للإنسان ليس كثرة المعارف، بل حسن الاختيار؛ اختيار من يبقى، ومن يرحل، وما الذي يستحق أن يُقال، وما الذي يكفيه الصمت. وعندما يصل المرء إلى هذه المرحلة، يدرك أن الحياة لا تحتاج إلى علاقات كثيرة، وإنما إلى علاقات صادقة، وأن المسافة التي تحفظ الاحترام خيرٌ من قربٍ يقتل المودة.
لذلك، لا بأس أن تكون علاقتك بكثير من الناس علاقةً مهذبة، هادئة، خالية من التكلف، وأن تكتفي بابتسامة صادقة، وكلمة طيبة، وسلامٍ كريم. فليس كل الناس خُلقوا ليكونوا جزءًا من حياتك، ولكن خُلقوا جميعًا لتعاملهم بأدب، ثم تمضي في طريقك وقلبك أكثر سكينة، ونفسك أكثر صفاء، ولسانك يردد في رضا: عفا الله عما مضى، ولكل إنسان مكانه الذي يليق به.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق