2026-11-02

نكهة الماضي بدون توابل

 


مهندس عاصم شاكر 

كان الطعام في الزمن الجميل يُطهى ببساطة، لكن تلك البساطة كانت تحمل سرًّا من أسرار اللذة. لم يكن المطبخ يعرف من التوابل إلا الملح والفلفل الأسود والشطة والكمون، ومع ذلك كان للطعام طعم حقيقي، تنبعث منه رائحة الحياة ودفء البيوت. كانت اللحوم تُطهى فتفوح رائحتها الشهية، والدجاج يُنضج فيتناثر عبيره في الأرجاء، وكأن المذاق نابع من جوهر المكوّن نفسه لا مما يُضاف إليه.

أما اليوم، فقد غلبت المبالغة على المذاق، وصار الطبق الواحد يحمل خليطًا من عشرات البهارات، تختلط فيه الروائح حتى يضيع الأصل بين التوابل، فلا نكاد نعرف طعم اللحم من طعم الصوص، ولا نفرق بين نكهة الفراخ ونكهة الخضار. أصبح المذاق متكلفًا، والبهارات تُستخدم لتجميل ما فُقد من جودة المكونات، فغاب عن الأكل صدقه ونقاؤه.

إننا نفتقد الآن ذلك الطعم الصافي الذي لا يزاحمه اصطناع ولا تزويق، طعم الطعام الذي يشبه قلوب الناس حين كانت أصفى، وموائدهم أبسط، وألسنتهم تبارك اللقمة قبل أن تتذوقها. فليتنا نعود إلى بساطة الماضي، إلى المذاق الذي لا تصنعه التوابل، بل تصنعه اليد التي تطبخ بحب، والنفس التي ترضى بالقليل ليخرج منه الكثير من البركة.

ليست هناك تعليقات: