2026-11-05

بيع الكلام


بقلم دكتور محمد الشافعي

يبدو أننا أصبحنا نعيش في زمنٍ يُباع فيه الكلام أكثر مما تُقدَّم فيه الأفعال، وتُستهلك فيه الكلمات أكثر مما تُصنع فيه الأشياء. لقد تمددت ظاهرة بيع الكلام حتى أصبحت تحيط بنا من كل جانب، وكأننا ندور في فلكٍ واسعٍ لا يكاد يخرج عن دائرة الحديث والتعليق والتحليل والترويج، بينما تتراجع القيمة الحقيقية لما يُقال.

انظر حولك؛ ستجد مباريات كرة القدم لا تنتهي بانتهاء صافرة الحكم، بل تبدأ بعدها حفلة طويلة من الكلام. استوديوهات تحليلية، ومعلقون، وضيوف، ومحللون، ومداخلات لا تنقطع، وكل واحد منهم لديه ما يقوله، حتى ليخيّل إليك أن المباراة لم تكن سوى مناسبة لفتح أبواب لا تُغلق من الحديث. تتكرر الآراء، وتُعاد المشاهد، وتُستخرج من اللقطة الواحدة عشرات الحكايات، وكأننا أمام اكتشافات كبرى، بينما لا يتجاوز الأمر في كثير من الأحيان إعادة تدوير الكلام نفسه.

والأمر لا يقتصر على الرياضة؛ فهناك قنوات وبرامج ومذيعون، يملؤون الساعات بالكلمات، ويصنعون من التفاصيل الصغيرة قضايا كبرى، ومن القضايا العابرة موضوعات تستحق حلقات متتابعة. ضيوف يتحدثون، ومقدمون يسألون، وآخرون يعلقون، ثم ينتهي البرنامج دون أن نخرج منه بفكرة جديدة أو معرفة حقيقية. ساعات طويلة من البث، وحصيلة قليلة من المعنى.

أما وسائل التواصل الاجتماعي فقد فتحت أبوابًا أوسع لهذه التجارة؛ فكل شخص أصبح قادرًا على أن يتحدث في كل شيء، وأن يقدم نفسه خبيرًا في كل مجال، وأن يحوّل أبسط المواقف إلى مادة للتعليق والاستعراض. كلمات كثيرة، ومنشورات متلاحقة، ومقاطع لا تنتهي، يتسابق أصحابها على جذب الانتباه، حتى أصبح الظهور في حد ذاته غاية، بصرف النظر عما يُقدَّم من مضمون.

وتأتي الإعلانات لتكمل المشهد؛ وعود براقة، وعبارات منمقة، ومبالغات لا حدود لها، تُباع فيها الصورة قبل السلعة، ويُسوَّق الوهم أحيانًا في ثوب الحقيقة. لم يعد المطلوب دائمًا أن يكون المنتج جيدًا بقدر ما أصبح المطلوب أن يكون الكلام عنه مقنعًا، وأن تنجح الحملة في إقناع الناس بما قد لا يجدونه حين يختبرون الواقع بأنفسهم.

وليس المقصود أن نقلل من قيمة الحوار أو التحليل أو الإعلام أو الإعلان، فكلها أدوات ضرورية حين تؤدي وظيفتها الحقيقية، وإنما المشكلة في أن يتحول الكلام إلى غاية مستقلة، وأن يصبح الحضور اللفظي بديلًا عن العمل، وأن تُقاس قيمة الأشياء بقدرة أصحابها على الترويج لها، لا بما تحققه من فائدة أو تضيفه من قيمة.

لقد أصبحنا أمام مفارقة لافتة؛ كل هذا الكلام، وكل هذه المنابر، وكل هذا الضجيج، ومع ذلك نفتقد أحيانًا إلى كلمة تضيف معرفة، أو رأي يفتح أفقًا، أو حوار ينتهي إلى نتيجة. وكأننا نعيش وفرة في الكلام تقابلها ندرة في المعنى.

إن الكلام الحقيقي ليس ما يملأ الوقت، وإنما ما يترك أثرًا، وليس ما يجذب الانتباه للحظات، وإنما ما يستحق أن يُسمع ويظل في الذاكرة. فليس كل من تحدث قال شيئًا، وليس كل من ظهر أضاف شيئًا، وليس كل ما يُسوَّق يستحق أن يُشترى.

لقد امتلأ العالم ببائعي الكلام، وبقي السؤال: من الذي ما زال يبيعنا قيمة حقيقية؟

ليست هناك تعليقات: