2026-11-05

اعتزال الناس

 


دكتور محمد الشافعي 

في عالمٍ يزداد صخبًا وضجيجًا يوماً بعد يوم، تصبح العزلة أحياناً نعمة خفيّة لا يدركها إلا من ذاق طمأنينتها. إن قلة الاختلاط بالناس ليست انطواءً ولا ضعفاً، بل هي قرارٌ نابع من عمق التجربة، حيث يتعلّم الإنسان أن الهدوء أثمن من الجدال، وأن السكون أصدق من الزحام.

 في العزلة سلامٌ ينساب إلى الروح كجدولٍ رقراق، وراحةٌ لا تُشترى بمال، وأمانٌ من لغوٍ ومراءٍ لا طائل منهما. هناك، بين صمت الجدران أو نسيم المساء، يستعيد القلب صفاءه، ويطهر الفكر من شوائب البشر، فيغدو الإنسان أقرب إلى ذاته، وأصدق في حديثه مع ربه. 

لقد أدركت أن قلة المخالطة ليست نقصاً في الإنسانية، بل هي حفاظٌ على العافية النفسية، وصونٌ من الزلل، ووقايةٌ من الذنوب التي تُثقل القلب وتكدّر الصفو. فكم من لقاءٍ جلبَ تعباً، وكم من صمتٍ أورث راحةً وسكينة! 

العزلة ليست هروباً، بل اختيارٌ ناضج، يعلّم الإنسان أن أجمل ما في الحياة أن تبقى مع نفسك بسلام، بعيداً عن ضجيج العالم، قريباً من الله.

ليست هناك تعليقات: