2026-11-03

قطار العمر والحكمة

 


مهندس عاصم شاكر 

لم يؤلمني مرور السنوات، ولم يرهقني زحف الزمن على وجهي وملامحي، فالتقدّم في العمر قدرٌ لا مهرب منه، وسُنّةٌ كونية تمضي على الخلق جميعًا بعدلٍ لا يُستثنى منه أحد. غير أن ما أوجع القلب حقًّا ليس عدد السنين، بل الدروس القاسية التي جاءت متأخرة، والوعي الذي حلّ بعد فوات الأوان، حين لم يعد في العمر متّسع لتعويض ما فات أو إصلاح ما انكسر.

 كم من موقفٍ أطلّ عليّ متخفيًا بثوب الحكمة بعد أن مضى زمنه، وكم من وجهٍ أدركت قيمته بعد أن ابتعد، وكم من شعورٍ استوعبت صدقه حين صار ذكرى بعيدة. تلك هي مرارة النضج المتأخر؛ أن تفهم الأشياء حين لا يعود الفهم مجديًا، وأن تبصر الطريق بعد أن تجاوزته بخطواتٍ متعبة. العمر لا يؤلم، إنما تؤلمنا التجارب التي نزعت من القلب براءته الأولى، وأجبرته على أن يتقن الحذر بعد أن كان يهب الثقة بسخاء. وتؤلمنا تلك اللحظات التي دفعنا فيها ثمن النقاء في زمنٍ لا يعترف إلا بالدهاء، وتؤلمنا خسارة الجزء الأجمل من العمر في سبيل أن نتعلم ما لم يكن بدٌّ من تعلّمه. 

ومع ذلك، فربّ الألم نعمةٌ مستترة، يكشف للإنسان وجهه الحقيقي، ويعلّمه كيف يصمت بوقارٍ بعد أن كان يصرخ بعفوية، وكيف يبتسم بحكمةٍ بعد أن كان يضحك بلا حساب. فالعمر، وإن خطّ تجاعيده على الملامح، يخطّ في القلب فهمًا أعمق للحياة، يجعلنا نُدرك أنّ الجمال لا يقيم في البدايات، بل في ما تبقّى منّا بعد كل انكسار.

ليست هناك تعليقات: