دكتور محمد الشافعي
لستُ غليظ القلب، ولا من أولئك الذين يحملون الضغينة في نفوسهم، أو يسعون إلى الانتقام ممن أساء إليهم، ولكنني، في الوقت نفسه، لستُ ممن يستطيعون تجاوز كل إساءة وكأن شيئًا لم يكن. فهناك مواقف تظل عالقة في الذاكرة مهما امتد بها الزمن، وهناك كلمات قد تمر على أصحابها عابرة، لكنها تستقر في نفوس الآخرين جرحًا لا يندمل بسهولة.
أعترف بأن قلبي لا ينسى الإساءة، لا لأنني أبحث عن أسباب للخصومة، ولا لأنني أجد متعة في استعادة المواقف المؤلمة، وإنما لأن بعض ما نتعرض له يمس شيئًا عزيزًا في داخلنا، شيئًا يتصل بكرامتنا وتقديرنا لأنفسنا. وهنا يصبح التسامح أمرًا بالغ الصعوبة، لا سيما حين تأتي الإساءة ممن أحسنت إليهم، ومن أشخاص لم تتردد يومًا في بذل الجهد والاهتمام من أجلهم.
ولعل أكثر ما يؤلمني أن تأتي الإساءة ممن لم أبخل عليهم بشيء من وقتي أو علمي أو اهتمامي. وأتحدث هنا بصفة خاصة عن بعض طلابي، الذين كنت أتعامل معهم دائمًا بروح تتجاوز حدود الواجب الأكاديمي، وأحرص على أن أقدم لهم من علمي وخبرتي واهتمامي ما أستطيع. ولذلك فإن أي كلمة جارحة تصدر من أحدهم لا تكون مجرد تعليق عابر، بل تحمل في نفسي وقعًا مختلفًا، لأنني لا أتوقعها ممن كنت أظن أن بيننا من التقدير والاحترام ما يحول دونها.
وما زلت أتذكر جيدًا ذلك التعليق الذي آذى مشاعري، وأصابني بإحباط شديد امتد أثره فترة طويلة. لم يكن الأمر لحظيًا، ولم أستطع أن أضعه خلف ظهري وأواصل حياتي بصورة طبيعية. بل إن الفصل الدراسي التالي لذلك الموقف ظل شاهدًا على ما تركه في نفسي؛ كنت أذهب إلى المحاضرات، وأؤدي عملي، وأشرح المقررات، لكنني لم أكن كما كنت من قبل. حضرتُ بجسدي، بينما كان شيء من الحزن يسكن داخلي. قلّ تفاعلي مع الطلاب، وتجنبت الدخول معهم في أحاديث أو تعاملات لا تفرضها الضرورة، وكأنني أقمت بيني وبينهم مسافة لم أكن أرغب في وجودها، لكنها فرضت نفسها عليّ بفعل ما شعرت به.
وقد أسأل نفسي أحيانًا: لماذا أكون هكذا؟ لماذا لا أترك الموقف يمر، وأتعامل معه باعتباره صفحة وانطوت؟ وربما كانت الإجابة أنني إنسان شديد الحساسية تجاه ما يصدر عن الآخرين، وأنني حين أمنح أحدًا تقديري واهتمامي، أنتظر منه الحد الأدنى من الاحترام، لا مكافأة على إحساني، ولا ردًّا لجميل، وإنما تقديرًا لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات الإنسانية.
ومع ذلك، أدرك أن الحساسية الزائدة قد تجعل بعض المواقف أكبر من حجمها، وأن استدعاء الإساءة مرارًا يمنحها عمرًا أطول مما تستحق. لكن ثمة فارقًا بين أن أسامح وبين أن أستعيد مكانة من أساء إليّ، وبين أن أتجاوز الموقف وبين أن أعود إلى التعامل بالروح ذاتها. فليس كل من سامح عاد كما كان، وليس كل جرح يلتئم تعود معه العلاقة إلى سابق عهدها.
أنا لا أبحث عن الانتقام، ولا أتمنى الأذى لأحد، ولا أريد أن أعيش أسيرًا لمواقف مضت، لكنني أيضًا لا أستطيع أن أتصنع النسيان، أو أفرض على نفسي مشاعر لا أملكها. فالكرامة ليست أمرًا هينًا، والإحسان لا ينبغي أن يقابَل بالاستخفاف، والاحترام ليس فضلًا يمنحه أحد للآخر، بل هو الحد الأدنى الذي لا تستقيم العلاقات الإنسانية بدونه.
ربما أحتاج إلى أن أتعلم كيف أترك بعض المواقف تمضي دون أن أحملها معي طويلًا، وأن أدرك أن ليس كل الناس يقدّرون الإحسان بالطريقة التي نتصورها. لكنني لا أريد، في المقابل، أن أفقد تلك الروح التي تدفعني إلى العطاء والاهتمام بالآخرين.
فقط، أريد أن أظل محسنًا دون أن أكون مستباح المشاعر، ومتسامحًا دون أن أفرط في كرامتي، وأن أتعلم كيف أحفظ قلبي من أن يدفع ثمن إحسانه حزنًا طويلًا.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق