2026-11-06

الهجر أهون

 


دكتور محمد الشافعي 

«الهجر أهون من عذابي في حبك، ولا أشوفش يوم أندم عليه وأنا جنبك».

كم تحمل هذه الكلمات من وجع! وكم تختصر من حكايات ظلت معلقة بين قلب لا يريد الفراق، ونفس لم تعد تحتمل البقاء!

ليس من السهل أن يختار الإنسان الهجر وهو لا يزال يحمل في قلبه بقية حب، ولا أن يبتعد عمن كان يتمنى أن يظل أقرب الناس إليه. فالرحيل هنا ليس انتصارًا على المشاعر، ولا دليلًا على أن المحبة قد انتهت، بل ربما يكون آخر ما يملكه إنسان استنفد كل محاولاته، وأرهقه الانتظار، وأتعبه أن يحب أكثر مما ينبغي، وأن يتألم أكثر مما يحتمل.

كم مرة أقنعنا أنفسنا بأن الغد سيكون أفضل، وأن ما نراه اليوم من جفاء ليس إلا عارضًا عابرًا، وأن من نحب سيشعر يومًا بما نحمله له من مشاعر! وكم مرة ابتلعنا عتابنا، وتجاوزنا ما كان يؤلمنا، وتظاهرنا بأن الأمور بخير، بينما كان في داخلنا شيء ينكسر بصمت!

لكن للقلب ذاكرة لا تخطئ، وللوجع تراكمات لا تمحوها كلمة عابرة، وللإنسان لحظة يدرك فيها أن الاستمرار لم يعد وفاءً للحب، وإنما استنزاف لما تبقى منه.

والمؤلم حقًا أن يصل المرء إلى هذه اللحظة وهو لم يكن يريد الرحيل أصلًا. كان يريد أن يبقى، ولكن بصورة أخرى؛ أن يجد في القرب دفئًا، وفي الكلام اهتمامًا، وفي الحضور ما يطمئنه إلى أنه ليس وحده في هذه العلاقة. لم يكن يطلب المستحيل، بل كان يتمنى ألا يصبح الحب سببًا في كل هذا الشقاء.

وهنا يصبح الهجر أهون، لا لأن الغياب سهل، ولا لأن النسيان ممكن بقرار، وإنما لأن وجع الفراق، مهما اشتد، أرحم من وجع يتجدد كلما اقتربنا ممن نحب.

وقد يظن البعض أن من يرحل قد نسي، أو أن قلبه لم يعد يحمل شيئًا، لكنهم لا يعرفون أن بعض الراحلين يغادرون وهم أكثر الناس تعلقًا، وأن بعض الأبواب لا تُغلق كراهيةً لمن وراءها، وإنما لأن البقاء خلفها صار مؤلمًا إلى حد لا يُحتمل.

وليس كل من اختار الرحيل نادمًا عليه، فقد يشتاق، وقد يتذكر، وقد تمر به لحظات يتمنى فيها لو أن الأمور سارت على نحو مختلف، لكنه يعرف في قرارة نفسه أن العودة إلى الوجع ليست وفاءً، وأن الحنين لا يصلح وحده سببًا لاستعادة ما كان يؤذيه.

فليست الغاية أن نخرج من كل علاقة منتصرين، ولا أن نثبت لمن تركنا كم كنا أوفياء، وإنما أن نحتفظ بما تبقى من سلامنا الداخلي، وألا نسمح لحب إنسان بأن يتحول إلى خصومة مع أنفسنا.

فبعض الهجر ليس نهاية الحب، بل نهاية العذاب الذي صنعه الحب حين لم يجد من يصونه.

ليست هناك تعليقات: