2026-11-06

عن البطولة والابطال

 

دكتور محمد الشافعي 

دوماً أتساءل عن مفهوم البطولة، وعن معنى كلمة بطل، ومتى يستحق الإنسان أن يوصف بهذا اللقب؟ وهل للبطولة معايير محددة يمكن الاحتكام إليها، أم أن مفهومها يتغير باختلاف الزمان والمكان وطبيعة المواقف والأحداث؟

إنها كلمة كبيرة، لا ينبغي أن تُلقى جزافاً، ولا أن تصبح وصفاً مجانياً نمنحه لكل من حقق شهرة أو تصدّر مشهداً أو استحوذ على اهتمام الناس.

ولعل أكثر ما يثير دهشتي استخدام كلمة البطولة في المجال الفني، حتى أصبحنا نسمع عن بطل الفيلم وبطلة المسلسل، وكأن مجرد تصدّر الممثل أو الممثلة للعمل الفني يمنحهما صفة البطولة. وهنا أتوقف متسائلاً: ما البطولة فيما يقدمه هؤلاء؟ وهل المقصود بطولة حقيقية تتصل بالشجاعة والتضحية والمواقف الاستثنائية، أم أننا أمام استخدام فني للكلمة لا يتجاوز الإشارة إلى الشخصية الرئيسية في العمل؟

والحقيقة أن الخلط بين المعنيين هو أحد أسباب ابتذال هذا المصطلح. فهناك فارق كبير بين أن يؤدي ممثل دور البطولة، وبين أن يكون بطلاً بالمعنى الإنساني والأخلاقي للكلمة. الأول توصيف لموقعه داخل العمل الفني، والثاني صفة لا تُكتسب بالشهرة أو الأضواء، وإنما بالمواقف والأفعال وما تحمله من شجاعة وتضحية ومسؤولية.

وإذا أردنا أن نعود إلى المعنى اللغوي، نجد أن المعاجم العربية تربط البطولة بالشجاعة والإقدام والبسالة، فالبطل هو الشجاع المقدام الذي يواجه المخاطر ولا يتراجع أمام الصعاب. لكن هذا المعنى، على أهميته، لا يكفي وحده لتحديد مفهوم البطولة؛ لأن الشجاعة قد تكون مجرد اندفاع، والإقدام قد يكون تهوراً، والتضحية قد تكون بلا هدف أو قضية تستحقها.

ومن هنا أرى أن البطولة الحقيقية لا تقوم على الشجاعة وحدها، وإنما على اجتماع مجموعة من المعايير؛ أولها امتلاك الشجاعة في مواجهة الخطر أو الصعوبة، وثانيها أن يكون وراء الفعل هدف يستحق التضحية، وثالثها القدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار في اللحظات الحاسمة، ورابعها ألا تكون البطولة بحثاً عن المجد الشخصي أو الشهرة، وإنما ترتبط بقيمة تتجاوز المصلحة الذاتية، وخامسها أن يترك الفعل أثراً حقيقياً يتجاوز صاحبه، سواء في حياة الآخرين أو في مسار الأحداث والتاريخ.

وليس من الضروري أن تكون البطولة عسكرية أو أن ترتبط بساحات القتال. فقد تكون بطولة في إنقاذ إنسان، أو الدفاع عن حق، أو الوقوف في وجه ظلم، أو تحمل مسؤولية ثقيلة حين يتخلى عنها الآخرون. وقد تكون بطولة صامتة لا يعرف الناس عنها شيئاً، ولا تجد طريقها إلى الصحف أو الشاشات، لكنها تظل في ميزان القيم أعظم من كثير من المشاهد التي تحظى بالتصفيق والتكريم.

وعندما ننتقل إلى صفحات التاريخ، نجد نماذج تستحق أن نتوقف أمامها طويلاً، وأن ندرس أفعالها في سياق عصرها وظروفها.

فمن منا لا يتوقف أمام محمد الفاتح، الذي استطاع فتح القسطنطينية سنة 1453م، محققاً إنجازاً عسكرياً وسياسياً بالغ الأهمية، لم يكن مجرد انتصار في معركة، وإنما تحول تاريخي غيّر موازين القوى في المنطقة؟

ومن منا لا يتأمل شخصية صلاح الدين الأيوبي، الذي ارتبط اسمه باستعادة القدس سنة 1187م، فضلاً عن قدرته على توحيد قوى متفرقة، وخوض صراع طويل في ظروف بالغة الصعوبة؟

وكذلك سليمان القانوني، الذي شهدت الدولة العثمانية في عهده اتساعاً سياسياً وعسكرياً كبيراً، إلى جانب اهتمامه بالتشريع والإدارة والعمران، فكانت شخصيته أوسع من مجرد قائد يخوض الحروب.

أما في التاريخ المصري القديم، فإن تحتمس الثالث يقدم نموذجاً لافتاً للقائد العسكري الذي امتلك القدرة على التخطيط وإدارة الحملات، وتجلت قدراته بوضوح في معركة مجدو، التي تُعد من أبرز الأحداث العسكرية في تاريخ الدولة الحديثة.

هذه الشخصيات لم تكتسب مكانتها التاريخية لمجرد أنها تصدرت المشهد أو امتلكت السلطة، وإنما ارتبطت بأفعال وقرارات وإنجازات تركت آثاراً واضحة في مجرى التاريخ. ومع ذلك، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نحول أي شخصية إلى نموذج كامل لا يُناقش، فالعظمة التاريخية لا تعني العصمة، والإنجاز العسكري لا يجعل كل أفعال صاحبه بطولات أخلاقية بالضرورة.

وهنا أصل إلى نقطة أراها جوهرية: هل كل منتصر بطل؟ وهل كل قائد عظيم بطل؟ وهل يكفي أن يحقق الإنسان إنجازاً كبيراً حتى يستحق هذا اللقب؟

أعتقد أن الإجابة لا بد أن تكون أكثر دقة. فالانتصار نتيجة، والبطولة قيمة تتعلق بكيفية الوصول إلى هذه النتيجة، وبالهدف الذي سعى الإنسان إلى تحقيقه، وبالثمن الذي تحمله، وبالأثر الذي تركه. وقد ينتصر إنسان دون أن يكون بطلاً، وقد يخسر آخر معركته لكنه يظل بطلاً بما أظهره من شجاعة ونبل وثبات على المبدأ.

بل إنني أذهب إلى أبعد من ذلك، فأرى أن البطولة الحقيقية لا تقاس دائماً بحجم الضجيج المصاحب لها، وإنما بحجم الموقف نفسه. فهناك من يواجه جيشاً، وهناك من يواجه مجتمعاً بأكمله دفاعاً عن حق، وهناك من ينتصر على خوفه وضعفه ومصلحته الشخصية، وكلها صور يمكن أن تتجلى فيها البطولة، وإن اختلفت ميادينها ودرجاتها.

ولذلك فإنني لا أريد أن أختزل البطولة في صورة المحارب الذي يحمل سيفاً، أو القائد الذي يعتلي جواده، أو الملك الذي يوسع حدود مملكته. فهذه صور تاريخية مهمة، لكنها ليست كل البطولة. إنما أبحث عن الإنسان الذي يمتلك من الشجاعة والإرادة والوعي ما يجعله قادراً على اتخاذ موقف استثنائي حين تفرض الحياة موقفاً استثنائياً.

إن كلمة بطل ليست لقباً اجتماعياً نمنحه لمن نحب، ولا وساماً إعلامياً نعلقه على صدور المشاهير، ولا مرادفاً للنجاح أو الشهرة أو تصدر المشهد. إنها وصف ينبغي أن يكون وراءه ما يبرره من أفعال ومواقف وتضحيات.

وأعود إلى سؤالي الأول: من هو البطل؟

ربما يكون البطل هو ذلك الإنسان الذي لا يكتفي بأن يكون حاضراً في الحدث، وإنما يصنع فيه فارقاً؛ لا يبحث عن التصفيق، وإنما يؤدي ما يراه واجباً؛ لا يتراجع حين تصبح المواجهة صعبة، ولا يتخلى عن مبدئه حين يصبح التمسك به مكلفاً.

وأحسب أن علينا أن نعيد الاعتبار لهذه الكلمة، وأن نميز بين من يؤدي دور البطولة ومن يستحق لقب البطل، وبين من يملك الشهرة ومن يملك أسباب الاستحقاق.

فليس كل من تصدر المشهد بطلاً، وليس كل من غاب عن الأضواء خالياً من البطولة.

إن البطولة ليست في أن يراك الناس بطلاً، وإنما في أن تقدم من الأفعال ما يجعلك جديراً بهذا اللقب.

ليست هناك تعليقات: