مهندس عاصم شاكر
الكِتمان… حارسُ الخصوصية وحافظُ النِّعَم
الكِتمان ليس مجرد صمتٍ عن الكلام، ولا هو عجزٌ عن البوح، بل هو خُلُقٌ رفيعٌ يدل على وعيٍ عميقٍ بطبيعة الحياة وتقلباتها، وإدراكٍ حقيقيٍّ لقيمة ما يملكه الإنسان من أسرارٍ ونِعَم. فليس كل ما يُعرَف يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشَر، بل إن من الحكمة أن يبقى بعض الكلام في الصدور، وأن تبقى بعض النِّعَم في دائرة الخفاء؛ لأن في الإعلان أحيانًا تبديدًا، وفي الصمت حفظًا وصيانة.
إن الكِتمان هو الحارس الأمين للخصوصية، فهو الذي يصون حياة الإنسان من أعين المتطفلين، ويحمي تفاصيله من فضول الآخرين، ويجعل له مساحةً آمنةً يعيش فيها دون ضجيجٍ أو تدخل. فالإنسان الذي يعتاد كشف كل ما في حياته، ويجعل يومياته وأسراره مشاعًا للناس، يفتح على نفسه أبوابًا من الحسد والتدخل والاضطراب، بينما الذي يكتُم شؤونه الخاصة، ويُحسن اختيار ما يُقال وما يُخفى، يعيش في هدوءٍ واستقرارٍ وطمأنينة.
ولعل أعظم أثرٍ للكِتمان يظهر في حفظ النِّعَم؛ فالنِّعَم بطبيعتها حسّاسةٌ أمام أعين الناس، وقد تكون عرضةً للزوال إذا أُفرِط في إظهارها والتفاخر بها. لذلك كان الكِتمان سياجًا يحمي الخير من أعين الحاسدين، ودرعًا يقي صاحبه من تقلبات النفوس وضعف القلوب. فكم من نعمةٍ بقيت لأنها خُبِّئت، وكم من نعمةٍ زالت لأنها أُعلِنت، وكم من إنسانٍ عاش مطمئنًا لأنه تعلّم أن يجعل بينه وبين الناس حجابًا من الحكمة.
والكِتمان لا يعني الانعزال أو القطيعة، ولا يدعو إلى الغموض المفرط، بل هو اعتدالٌ في الحديث، وتوازنٌ في المشاركة، وحسنُ تقديرٍ لما يستحق أن يُقال وما يجب أن يُحفَظ. فالحياة تحتاج إلى مشاركةٍ إنسانيةٍ صادقة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى حدودٍ واضحةٍ تحفظ الكرامة وتمنع التعرّي المعنوي أمام الآخرين. ومن هنا يصبح الكِتمان فنًّا من فنون العيش، لا صمتًا جامدًا ولا انغلاقًا قاسيًا.
إن من يتقن الكِتمان يمتلك مفاتيح الراحة النفسية؛ لأنه لا يرهق نفسه بتبرير حياته للناس، ولا يُبدّد طاقته في شرح تفاصيله، ولا يجعل سعادته رهينةً بنظرات الآخرين. فهو يعيش بما لديه، ويحمد الله على ما أُعطي، ويحفظ نعمته بالصمت عنها، ويصون خصوصيته بالحكمة في الكلام. وهذا هو المعنى الحقيقي للكِتمان: أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، وأن تدرك أن بعض الصمت حياة، وأن بعض الكلام خسارة.
وفي النهاية، يبقى الكِتمان خُلُق الحكماء وسلوك العقلاء؛ به تُحفَظ الخصوصيات، وتُصان العلاقات، وتبقى النِّعَم في أمان. فمن أراد حياةً هادئةً ونِعَمًا مستقرةً، فليجعل للكِتمان نصيبًا من يومه، وليتعلم أن الصمت أحيانًا ليس ضعفًا، بل هو أقوى أشكال الحكمة، وأصدق وسائل الحفاظ على ما يملك.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق