مهندس عاصم شاكر
ليست كل النصائح تُؤخذ على ظاهرها، ولا كل التجارب تُعمَّم على واقعٍ كامل. فالعبارة التي تُصوِّر الأرياف وكأنها مستنقع للحسد والضيق، إنما تعبّر عن تجربةٍ شخصيةٍ ضاقت بها النفس، فعمّمت ضيقها على المكان، وألقت بظلالها على الناس جميعًا.
إن الريف، في جوهره، ليس جغرافيا فحسب، بل هو نمط حياة. هو بساطة العلاقات، وقرب الناس من بعضهم، وانكشاف التفاصيل الصغيرة التي قد لا تُرى في المدن. ومن هنا، قد يشعر البعض أن الخصوصية أقل، وأن العيون أكثر حضورًا، وأن الحديث يدور سريعًا بين الناس. لكن هذه السمات نفسها قد تُقرأ قراءة أخرى: فهي أيضًا تعبير عن ترابط اجتماعي، وعن مجتمع يعرف أفراده بعضهم بعضًا، ويشعرون ببعضهم في الفرح والضيق.
أما الحسد والضيق، فليسا حكرًا على مكان دون آخر. إنهما من طبائع البشر حين تضعف النفوس، ويغيب الرضا. فكما يوجد في الريف من يضيق بغيره، يوجد فيه من يفرح له، ويقف بجانبه، ويُعينه دون مقابل. وكذلك المدينة، رغم اتساعها وضجيجها، لا تخلو من الحسد، لكنها تُخفيه خلف جدران عالية ووجوهٍ عابرة لا تلتقي.
والحقيقة أن الراحة لا تُصنع بالمكان وحده، بل بطريقة النظر إليه. فمن ضاق صدره، ضاق به كل موضع، ومن اتسعت نفسه، وجد في أبسط البيئات سكينة وطمأنينة. فالمدينة قد تمنح حريةً وخصوصية، لكنها قد تسلب الدفء، وتُغرق الإنسان في عزلةٍ وسط الزحام. والريف قد يقيّد بعض المساحات، لكنه يمنح الإنسان جذورًا وشعورًا بالانتماء.
إن التوازن هو الحكمة الغائبة في مثل هذه العبارات. فليس المطلوب أن نهجر الريف أو نقدّس المدينة، بل أن نختار ما يلائم طبائعنا ونفوسنا. فمن وجد راحته في هدوء الريف فليقم فيه، ومن آثر صخب المدينة فليعشها، دون أن يُدين أحدهما الآخر.
وهكذا، تتحول النصيحة من حكمٍ قاسٍ إلى رؤيةٍ أكثر إنصافًا: ليس المكان هو المشكلة، بل الإنسان حين يعجز عن التكيّف، أو حين يُحمّل البيئة ما في نفسه من ضيق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق