2026-03-05

حقيقة الندم




 

كتب دكتور محمد الشافعي 

ليس الاعتذار دائمًا وليدَ خطأٍ ارتكبناه، ولا الندمُ حكرًا على زلّةٍ اقترفناها بأيدينا. فثمة مواقف في الحياة نعود فيها إلى أنفسنا متسائلين: لِمَ نشعر بوخز الأسى ونحن لم نخطئ؟ وكيف يتسلل إلينا شعور بالتقصير ونحن أدّينا ما علينا بصدق؟

الحقيقة أن الندم أحيانًا لا يكون على فعلٍ سيئٍ صدر منا، بل على فعلٍ حسنٍ وُضع في غير موضعه. نندم لأننا أحسنا إلى من لا يُحسن فهم الإحسان، أو صدقنا مع من لا يقدّر الصدق، أو منحنا الثقة لمن لم يعرف لها حرمة. ليس الخطأ في الفعل ذاته، بل في الجهة التي استقبلته.

كم من كلمة طيبة قيلت بنية خالصة، فحُملت على غير مقصدها. وكم من موقف شريف اتُّخذ دفاعًا عن قيمة، فقوبل بالجحود أو التأويل السيئ. عندها لا يكون الألم بسبب الفعل، بل بسبب سوء التقدير؛ لأننا اخترنا المكان الخطأ لوضع الشيء الصحيح.

وهنا تتجلى إحدى حكم التجربة: ليس كل خيرٍ يُبذل في كل أرضٍ يُثمر. فالأرض القاحلة لا تُنبت ولو أُلقيت فيها أجود البذور. وكذلك بعض النفوس، لا تعرف للمعروف قدرًا، ولا ترى في النبل إلا سذاجة، ولا في الصفاء إلا ضعفًا.

غير أن هذا الإدراك لا ينبغي أن يحوّلنا إلى قساةٍ أو بخلاء في العطاء، بل إلى حكماء في توجيهه. أن نتعلم متى نعطي، ولمن نعطي، وكيف نحفظ كرامتنا ونحن نفعل الخير. فالقيمة لا تكمن فقط في الفعل، بل في موضعه وتوقيته ومستحقّه.

ليس العيب أن نُحسن، ولا أن نصدق، ولا أن نمنح الثقة. العيب أن نكرر الخطأ ذاته بعد أن انكشفت لنا ملامحه. أما التجربة الأولى، فهي درس. والدرس لا يُخجل صاحبه، بل يرفعه درجة في فهم الناس والحياة.

وفي نهاية المطاف، تبقى سلامة النية رأس المال الحقيقي. فإن أخطأنا التقدير مرة، فلا نخسر صفاءنا، بل نصقله. ونتعلم أن نُبقي الخير في داخلنا، لكن نمنحه بعينٍ مفتوحة، وقلبٍ واعٍ، وعقلٍ لا يغفل عن موازين البشر.

فالندم الحقيقي ليس على الخير الذي فعلناه، بل على الخير الذي أضعناه في غير أهله.

واخيرا، هل نندم لأننا أخطأنا فعلًا، أم لأننا أحسنّا التقدير في المكان الخطأ؟

ليست هناك تعليقات: