2026-03-25

من يغادرني لا يعود

 


دكتور محمد الشافعي 

خسارتي سهلة… لكن رجعتي مستحيلة

ليست كل الخسارات موجعة، فبعضها يكون ضرورة من ضرورات الكرامة، وشرطًا من شروط الاتزان النفسي. هناك أشخاص يظنون أن الرحيل لعبة يمكن الرجوع عنها متى شاءوا، وأن الأبواب التي تُترك مفتوحة مرة ستظل كذلك إلى الأبد، لكن الحقيقة أن بعض القلوب إذا أُغلقت، أُغلقت إلى غير رجعة، لا عن قسوة، بل عن وعيٍ وتجربةٍ واحترامٍ للذات.

إن عبارة "خسارتي سهلة لكن رجعتي مستحيلة" لا تعني التكبر أو التعالي، بل تعني أن الإنسان يمنح فرصته كاملة، ويعطي من الصدق والوفاء ما يكفي ليحفظ العلاقات من الانكسار. فإذا اختار الآخر الرحيل، فقد اختار مصيره بيده، لأن الرحيل في جوهره قرار، والقرار يتحمل صاحبه نتائجه. فليس من العدل أن يغادر الإنسان حين يشاء، ثم يعود حين يشتاق، وكأن القلوب محطات انتظار، وكأن المشاعر لا تتألم ولا تتغير.

الإنسان الذي يؤمن بهذا المبدأ لا يكره أحدًا، ولا يحمل ضغينة في صدره، لكنه يعرف جيدًا أن الكرامة لا تُجزأ، وأن العلاقات التي تُهدم مرة بوعيٍ وإصرار، يصعب أن تعود إلى نقائها الأول. فالعودة بعد الرحيل ليست مجرد خطوة، بل هي محاولة لإعادة زمنٍ مضى، وثقةٍ انكسرت، وشعورٍ تبدد، وهذه أشياء لا تُستعاد بسهولة، بل قد لا تُستعاد أبدًا.

ومن هنا يصبح الرحيل اختبارًا حقيقيًا للعلاقات؛ فمن بقي رغم الظروف فهو الأصدق، ومن غادر فقد أعلن اختياره بوضوح، ومن اختار البعد فقد قبل ضمنًا أن يكون خارج الدائرة إلى الأبد. ليست المسألة عنادًا، بل هي حفاظ على النفس من التكرار، ومن إعادة نفس الألم، ومن الوقوع في نفس الخطأ مرتين.

إن الحياة تعلّم الإنسان أن بعض الأبواب يجب أن تُغلق نهائيًا، ليس لأن من خلفها أشرار، ولكن لأن العودة إليها تعني خسارة النفس مرة أخرى. والإنسان الذي يحترم ذاته لا يسمح لنفسه أن يكون خيارًا مؤقتًا في حياة أحد، ولا يقبل أن يكون محطة عبور، بل يكون حضورًا ثابتًا أو غيابًا نهائيًا.

لذلك فإن خسارته قد تبدو سهلة في البداية، لأن الصمت لا يصرخ، والانسحاب لا يُحدث ضجيجًا، لكن رجعته مستحيلة، لأن ما يُكسر في الداخل لا يُصلحه الاعتذار المتأخر، وما يُهدم بالاختيار لا يُبنى بالحنين.

وفي النهاية، يبقى هذا المبدأ ليس إعلان قطيعة، بل إعلان احترام:

احترام للنفس، واحترام للوقت، واحترام للمشاعر التي لا تُمنح إلا لمن يعرف قيمتها.

فمن يغادر مرة، يختار طريقه… ومن اختار طريقه، لا يعود إلى الطريق الذي تركه بإرادته.


ليست هناك تعليقات: