2026-03-22

عمق الوجود

 


دكتور محمد العوادي 

الملح لا يُلتفت إليه حين يكون حاضرًا في الطعام، ولا يتوقف أحد عند ذكر فضله أو الإشادة بقيمته، لأنه يؤدي دوره في صمت، ممتزجًا ببقية المكونات، متواريًا خلف النكهة العامة التي يصنعها. لكنه، على الرغم من هذا التواري، يظل عنصرًا لا غنى عنه؛ فبمجرد غيابه ينكشف الخلل، ويظهر النقص، ويتحول الطعام كله إلى شيء فاقد للطعم والروح. هنا فقط يدرك الناس أن ما لم يُمدَح يومًا كان في الحقيقة سرّ الاتزان وسبب الاكتمال.

وهكذا هي بعض الأدوار في الحياة؛ أدوار هادئة لا تصنع ضجيجًا، وأشخاص يعملون في صمت، ويؤدون واجبهم دون انتظار كلمة شكر أو نظرة تقدير. يمر وجودهم كأنه أمر طبيعي، ويُظن أن الحياة تسير من تلقاء نفسها، بينما الحقيقة أن توازنها قائم على حضورهم الخفي وعطائهم المستمر. لا يطالبون بالتصفيق، ولا يقفون في طوابير الثناء، بل يكتفون بأن يؤدوا ما عليهم بصدق وإخلاص، كأنهم الملح الذي يذوب ليمنح غيره النكهة.

القيمة الحقيقية لا تُقاس بكمية المديح الذي يُقال، ولا بعدد الكلمات التي تُكتب في حق الإنسان، بل تُقاس بمدى تأثيره حين يغيب. فهناك من تملأ أسماؤهم المجالس، ولكن غيابهم لا يترك أثرًا، وهناك من يمرون في هدوء، لكن رحيلهم يكشف حجم الفراغ الذي كانوا يملؤونه دون أن يشعر أحد. عندها فقط يُدرك الناس أن البساطة التي اعتادوها كانت نعمة، وأن الوجود الهادئ كان ركيزة من ركائز الاستقرار.

العمل الجيد لا يحتاج إلى إعلان، والنية الصادقة لا تبحث عن شهرة، والإنسان الذي يخلص فيما يفعل يزرع أثره دون أن يشعر. قد لا يسمع كلمات المديح في حياته، وقد لا يُشار إليه بالبنان، لكنه يظل حاضرًا في التفاصيل الصغيرة التي يصنعها كل يوم، وفي الراحة التي يتركها في قلوب من حوله. وحين يغيب، تبدأ المقارنة بين زمن حضوره وزمن غيابه، فيتضح الفرق بين الامتلاء والفراغ.

ليس المطلوب من الإنسان أن يكون مركز الضوء، ولا أن يرهق نفسه في طلب التقدير، بل أن يكون نافعًا حيث وُضع، صادقًا فيما يؤديه، ثابتًا على جودة ما يصنعه. فالقيمة التي تبقى ليست ما يُقال، بل ما يُشعر به الآخرون حين يختفي ذلك الحضور الصامت. عندها يتحول الصمت الذي كان يحيط به إلى شهادة تقدير حقيقية، ويصبح الغياب أبلغ من كل كلمات المديح.

ومن هنا تتجلى الحكمة: أن يكون المرء جيدًا فيما يفعل دون انتظار مقابل، وأن يترك أثره في هدوء، لأن الحياة كثيرًا ما تكشف قيمة الأشياء بعد غيابها، كما تكشف قيمة الملح حين يُفقد من الطعام. فمن أحسن عمله في صمت، عاش كريم الأثر، وبقيت قيمته حاضرة في القلوب، ولو لم تُذكر على الألسنة.

ليست هناك تعليقات: