دكتور محمد الشافعي
كبرتُ بما يكفي لأكتشف أن الإنسان قد يعيش بين الناس، دون أن يشبههم تمامًا.
أجلس أحيانًا فأرى من حولي يركضون خلف أشياء لا أجد فيها ما يستحق كل هذا الركض؛ يفرحون بصورة مع مشهور، ويتحمسون لانتصار فريق لم يلعبوا فيه، ويتعلقون بممثل أو لاعب حتى يصبح جزءًا من حياتهم، ويمنحون ساعات طويلة لدراما قد لا تستحق منها إلا دقائق، بينما يتسرب العمر من بين أيديهم في هدوء.
وأتساءل: متى أصبحت الشهرة قيمة في ذاتها؟ ومتى صار الشائع جديرًا بالاتباع لمجرد أنه شائع؟
لست ضد الفن، ولا ضد الرياضة، ولا أرى في اختيارات الآخرين ما يبرر السخرية منهم. لكنني ببساطة لا أستطيع أن أمنح اهتمامي لما لا أراه جديرًا به.
حتى الدراما لم تستطع أن تستولي على وقتي.
كيف يمكن أن أُعلّق يومي على حكاية تمتد ثلاثين حلقة، وأنتظر أسبوعًا بعد أسبوع لأعرف ما حدث، ثم أكتشف أن دقائق قليلة من الحكاية قد تمددت إلى ساعات بفعل الإعلانات والفواصل.
ربما لأنني أصبحت أكثر حرصًا على عقلي ووقتي؛ فالوقت عندي ليس شيئًا زائدًا في الحياة، بل هو الحياة نفسها. وما أهبُه لشيء لا يعني لي شيئًا، إنما أقتطعه من عمري.
ولذلك لا أجد حرجًا في أن أكون مختلفًا.
أنا ابن زمن أُعجبت فيه بالأصوات التي كانت تحمل وراءها ثقافة وإحساسًا وصنعة؛ زمن عبد الوهاب ومحمد فوزي وفريد الأطرش وغيرهم. لذلك لم أستطع أن أساوي بين ما أسمعه اليوم وبين ما تركه أولئك من أثر. وليس رفضي لأسماء بعينها رفضًا للعصر، وإنما لأن الذائقة التي تشكلت في داخلي لا تزال تبحث عن شيء أعمق من مجرد الانتشار.
اتذوق فن عبد الوهاب ومحمد فوزي وفريد الأطرش، لا لأنهم من زمن مضى، وإنما لأن الفن عندي ليس مجرد شهرة. ولا أجد نفسي مشجعًا لفريق، لأنني لم أجد في كرة القدم ما يستحق أن يصبح انتماءً. ولا أطيق أن أُسلّم وقتي لحكاية تلفزيونية تمتد أسابيع، بينما يمكن أن تُقال في ساعة.
وفي الفن تحديدًا، أشعر أن المسافة بين ما أراه فنًا وبين ما يُقدَّم لنا باعتباره فنًا قد اتسعت كثيرًا.
ولست من محبي الاستماع إلى الأغاني أصلًا، لكنني أعرف شيئًا عن الفن الجميل، وأعرف الفرق بين المطرب وبين صاحب الشهرة. لذلك لا أستطيع أن أضع عمرو دياب أو تامر حسني في قائمة المطربين الذين أقدرهم، بل أقولها صراحة: أنا لا أعتبرهما مطربين بالمعنى الذي أفهمه للمطرب.
فالمطرب عندي ليس مجرد صوت مشهور، ولا وجهًا مألوفًا، ولا اسمًا تتصدر أغانيه المنصات. المطرب قيمة فنية، وصوت له شخصية، وإحساس، وقدرة على حمل الكلمة واللحن.
وحين أعود إلى عبد الوهاب، ومحمد فوزي، وفريد الأطرش وغيرهم، أفهم لماذا كان الفن يومًا صنعة وإبداعًا، لا مجرد صناعة للنجومية.
قد أكون مخطئًا في بعض ذوقي، وقد يكون الآخرون أصدق مني في ذوقهم، لكنني تعلمت شيئًا واحدًا:
ليس كل ما يحبه الناس يجب أن أحبه، وليس كل ما يشغلهم يستحق أن يشغلني.
فالاختلاف الحقيقي ليس أن تمشي عكس الآخرين، وإنما أن تعرف لماذا تمشي في طريقك.
وأن يكون لك عقلٌ تقول به:
هذا يعجبكم... لكنه لا يشبهني.

هناك تعليق واحد:
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
إرسال تعليق