2026-09-27

قوة بلا ضجيج




دكتور محمد الشافعي 

في زمن يعلو فيه الصوت كلما غاب الدليل، ويكثر فيه الكلام كلما قلّ المعنى، تصبح القوة الحقيقية شيئًا آخر تمامًا. ليست في ذلك الصوت الذي يملأ المكان، ولا في الحضور الذي يطلب من الجميع أن يلتفتوا إليه، وإنما في إنسان يعرف قدر نفسه، فلا يحتاج إلى أن يرفع صوته كي يُسمع، ولا إلى أن يكثر من الكلام كي يثبت أنه يعرف.

قوتك في سكوتك حين يكون الصمت أبلغ من الكلام، وفي هدوئك حين تتكاثر حولك أسباب الغضب، وفي صوتك المنخفض الذي يحمل من الثقة ما لا تحمله أصوات مرتفعة. قوتك في أن تملك نفسك فلا يملكها غيرك، وأن تظل ثابتًا حين يحاول أحدهم أن يدفعك إلى مساحة لا تشبهك.

فليس كل ما يُقال يستحق جوابًا، ولا كل من يرفع صوته يستحق أن ترفع صوتك في مواجهته. بعض الناس لا يريدون منك جوابًا، وإنما يريدون أن ينتزعوا منك هدوءك؛ فإذا نجحوا فقد منحتهم أكثر مما يستحقون. أما حين تصمت وأنت قادر على الرد، فأنت لا تهرب من المواجهة، وإنما ترفض أن تجعل من عقلك ساحة لكل عابر.

وهنا تظهر الحكمة؛ أن تعرف أن الكلمة قد تُقال في لحظة غضب، لكنها قد تبقى في ذاكرة إنسان سنوات، وأن تعرف أن بعض المواقف لا تحتاج إلى انتصار، وإنما تحتاج إلى أن تمر دون أن تترك في نفسك ما لا يليق بك. ورجاحة العقل ليست في كثرة ما تقول، وإنما في قدرتك على أن تزن الكلمة قبل أن تخرج، والموقف قبل أن تحكم عليه، وأن تفرّق بين ما يستحق اهتمامك وما يستحق أن تتركه خلفك.

ولعل أجمل ما في الهدوء أنه لا يحتاج إلى إعلان. فالإنسان الواثق لا يشرح نفسه في كل مجلس، ولا يدخل في سباق لإثبات أنه الأذكى أو الأقوى أو الأقدر. يكفيه أن يعرف من هو. أما من لا يعرف قيمة نفسه، فيظل يبحث عنها في عيون الآخرين، فيرفع صوته حينًا، ويكثر من الحديث حينًا، ويستعرض ما عنده كلما خشي أن يكتشف الناس ما ينقصه.

لذلك، لا تجعل صخب الآخرين يغيّر طبيعتك. احتفظ بعقلك حين تفقده الوجوه من حولك، وبهدوئك حين يصبح الغضب هو اللغة السائدة، وبصوتك المنخفض حين يتوهم البعض أن ارتفاع الصوت يمنح صاحبه قيمة.

فالقوة ليست أن تجعل الآخرين يخافون منك، بل أن تكون قادرًا على الرد ولا تحتاج إليه، وقادرًا على الغضب ولا تستسلم له، وقادرًا على الكلام وتعرف متى يكون الصمت أكرم.

تلك هي القوة التي لا تستعرض نفسها؛ قوة إنسان هادئ، يعرف ما يقول، ويعرف أكثر ما الذي لا ينبغي أن يقوله.

ليست هناك تعليقات: