مهندس عاصم شاكر
بئر الخيانة... حين يخون الفيلم منطقه
ثمة أفلام تنجح في أن تجعل المشاهد يصدق عالمها، حتى حين لا يعرف شيئًا عن تفاصيل ذلك العالم، لأن منطقها الداخلي متماسك، وشخصياتها تتحرك بقدر من الوعي يتناسب مع مواقعها ومهامها. وثمة أفلام أخرى ترفع شعار المخابرات، وتملأ الشاشة بالجواسيس والعملاء والمطاردات، لكنها لا تنجح في إقناعك بأنك أمام عالم تحكمه السرية والحذر وقراءة التفاصيل.
ومن هذا الباب تأتي ملاحظتي على فيلم «بئر الخيانة»؛ فالمشكلة في الفيلم ليست أنه أخطأ في موقف هنا أو بالغ في مطاردة هناك، وإنما أن البناء الدرامي نفسه كثيرًا ما يعجز عن منح عالم المخابرات ذلك القدر من الذكاء والاحتراف الذي يفترضه موضوع الفيلم.
فالعمل السري بطبيعته لا يقوم على كثرة الحركة، وإنما على قلة الحركة المحسوبة. وليس أكثر ما يثير المشاهد في عالم الجاسوسية أن يرى رجالًا يركضون خلف بعضهم في الشوارع، وإنما أن يشعر بأن وراء الهدوء الظاهر عقولًا تراقب، وتحلل، وتشك في التفاصيل الصغيرة، وتفكر في الخطوة التالية قبل أن يخطوها الخصم.
لكن الفيلم، في عدد من مشاهده، يفعل العكس. تتحول المراقبة إلى ملاحقة مكشوفة، ويتحول الحذر إلى اندفاع، وتصبح المطاردة وسيلة لتعويض غياب الصراع الذهني. وعندما يستطيع جابر أن يفلت من مطارديه بهذه الصورة، لا يعود السؤال: كيف استطاع الجاسوس أن يفلت؟ بل يصبح السؤال الأكثر إزعاجًا: لماذا أُديرت عملية ملاحقته بهذه الطريقة أصلًا؟
وهنا يقع الفيلم في مأزق درامي دقيق؛ فالجاسوس لا يبدو عبقريًا بالضرورة لأن السيناريو منحه قدرًا استثنائيًا من الذكاء، وإنما قد يبدو كذلك لأن خصومه لم يُمنحوا القدر نفسه من الذكاء.
وهذه مشكلة أكبر من مجرد خطأ في تنفيذ مشهد.
فالشخصية المخابراتية التي يؤديها عزت العلايلي كان ينبغي أن تكون شخصية تقود المشاهد إلى الإحساس بأننا أمام رجل يزن كلماته، ويدير خيوطه في صمت، ويضع احتمالات متعددة أمامه. لكن ما نراه في مواضع عديدة يجعل الشخصية أقرب إلى موظف يتلقى التطورات ويتعامل معها تباعًا، بدل أن يكون عقلًا أمنيًا يسبقها.
ويزداد الأمر اضطرابًا في حكاية السكرتيرة التي يجري تجنيدها رغم كونها عميلة للموساد. هنا لا يعود الخلل متعلقًا بتفصيلة ثانوية؛ لأن وجود عميلة للخصم داخل دائرة يمكن الوصول من خلالها إلى معلومات حساسة يفترض أن يفتح في السيناريو بابًا واسعًا للشك والتحري والاختبار. أما أن تمر الشخصية بهذه السهولة، ثم نكتشف حقيقتها لاحقًا، فإن ذلك يضعف صورة الجهاز أكثر مما يقوي صورة الخصم.
والسيناريو المخابراتي الجيد لا يحتاج إلى أن يجعل رجاله معصومين من الخطأ؛ بل يحتاج إلى أن يجعل أخطاءهم مقنعة. فالخطأ الذي يأتي بعد لعبة معقدة بين طرفين يمكن أن يصنع توترًا دراميًا بالغ القوة، أما الخطأ الناتج عن سذاجة في التصرف أو ضعف في الاحتياط، فإنه لا يصنع تشويقًا بقدر ما يصنع فجوة في التصديق.
حتى الأوامر التي تصدر في بعض المواقف تبدو أحيانًا شديدة البساطة قياسًا إلى طبيعة المهام التي يفترض أن يديرها أصحابها؛ وكأن العمليات الأمنية يمكن أن تُدار بتغيير اسم شخص في المطار أو بإصدار أمر سريع، دون أن نشعر بوجود شبكة من الإجراءات والاحتمالات والبدائل.
وهنا تحديدًا يفقد الفيلم شيئًا أساسيًا من متعته: ذكاء اللعبة.
ففيلم الجاسوسية الحقيقي، من الناحية الفنية، ينبغي أن يجعل المشاهد شريكًا في لعبة عقلية؛ يلتقط الإشارات، ويعيد تفسير المشاهد، ويكتشف أن حركة صغيرة كانت تحمل معنى أكبر مما بدا. أما حين تصبح المطاردة هي البديل عن التفكير، والمصادفة هي البديل عن التخطيط، والمعلومة الجاهزة هي البديل عن التحقيق، فإن الفيلم يفقد جوهر النوع الذي اختار أن ينتمي إليه.
ولا أعتقد أن المشكلة تُحل بكثرة المطاردات أو إطلاق النار أو توتر الموسيقى؛ فهذه كلها أدوات خارجية. المخابرات في السينما لا تُقاس بعدد السيارات التي تطارد سيارة أخرى، وإنما بعدد العقول التي تتصارع خلف الوجوه الهادئة.
ومن المؤسف أن موضوعًا بهذه الحساسية كان يمكن أن يصنع فيلمًا أكثر عمقًا، فإذا به في مواضع كثيرة يقدم صورة مبسطة للغاية عن رجال يفترض أن يعملوا في بيئة لا تحتمل السذاجة ولا العشوائية.
قد يقول قائل إن السينما ليست وثيقة أمنية، وهذا صحيح تمامًا. لكن هذه الحجة لا تعفي الفيلم من منطقه الفني؛ فالخيال حر في أن يبتكر، لكنه ليس حرًا في أن يهدم القواعد التي أقام عليها عالمه. فإذا قلت للمشاهد إنك تقدم له عالم المخابرات، فعليك أن تمنحه شخصيات تتصرف بما يقنعه بأنها تنتمي إلى هذا العالم.
ولهذا فإن عنوان الفيلم نفسه يبدو لي، على سبيل المفارقة، قابلًا لقراءة أخرى: فالمشكلة ليست فقط في «بئر الخيانة» الذي يغرق فيه الجاسوس، وإنما في أن الفيلم نفسه يقع أحيانًا في بئر من التبسيط والسذاجة الدرامية.
والأشد إزعاجًا أن هذا التبسيط لا يضر بالفيلم وحده، بل يضعف الصورة التي يصنعها عن عالم يفترض أن يكون واحدًا من أكثر عوالم العمل سرية وتعقيدًا. كان المنتظر أن نرى صراعًا بين عقول، فإذا بنا نرى في بعض اللحظات صراعًا بين مطارد ومطارد، وكان المنتظر أن يكون الغموض مصدر الإثارة، فإذا بالمطاردة تحل محل الغموض، والحركة تحل محل التفكير.
وهنا يصبح السؤال الفني الأهم ليس: هل الفيلم ممتع؟ وإنما: هل أقنعنا بالعالم الذي اختار أن يحكي عنه؟
وبالنسبة إليّ، فإن الإجابة في أجزاء مهمة من الفيلم ليست كذلك.
فـ«بئر الخيانة» كان يمكن أن يكون فيلمًا عن لعبة عقول، لكنه كثيرًا ما اكتفى بلعبة مطاردات؛ وكان يمكن أن يجعل ذكاء الجاسوس والضابط مصدر الإثارة، لكنه في مواضع عديدة جعل سذاجة المواجهة نفسها هي مصدر المشكلة.
وحين يفشل فيلم المخابرات في إقناعك بأن أبطاله يعرفون كيف يعملون، فإن أول ما يخسره ليس التشويق... وإنما احترام عقل المشاهد.
واخيرا فالعلة الأساسية في الدراما هي غياب المنطق الداخلي للبناء الدرامي. والفيلم بالفعل وقع في فخ استبدال "الصراع الذهني" بـ"الإثارة الحركية"، وهو العطب الذي يحول سينما المخابرات من صراع عقول استراتيجي إلى مجرد فيلم مطاردات عادي (Action/Thriller) يُغلف بشعار المخابرات.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق