دكتور محمد الشافعي
من أغرب المفارقات أن العلم كلما اتسع في نفس صاحبه أورثه تواضعًا، بينما قد يفعل الجهل العكس تمامًا؛ فيمنح صاحبه ثقة لا يستحقها، وجرأة لا يسندها معرفة، حتى يصبح أكثر الناس حديثًا فيما لا يعرفون، وأشدهم حكمًا على ما لم يقرأوا فيه سطرًا.
فالغيرة من العلم ليست دائمًا مجرد نقص في المعرفة، بل قد تكون وجهًا خفيًا من وجوه العجز؛ إذ يرى بعض الناس في علم غيرهم مرآة تكشف ضآلة ما عندهم، فيضيقون بما كان ينبغي أن يتعلموا منه، ويحاولون الانتقاص من صاحبه بدل أن يخطوا خطوة واحدة في الطريق الذي أوصله إلى ما هو عليه.
والعجيب أن من لم يعرف مشقة العلم يستخف بأهله؛ لا يرى سنوات القراءة والبحث، ولا يعرف قلق السؤال، ولا صبر الباحث وهو يلاحق الحقيقة بين الاحتمال والدليل، ثم يأتي في لحظة عابرة ليصدر حكمًا قاطعًا على مسألة أفنى غيره عمرًا في دراستها. إنه يرى قمة الجبل ولا يعرف شيئًا عن وعورة الطريق.
وحين يعجز الجاهل عن مجاراة صاحب العلم، قد يلجأ إلى الحيلة الأسهل: إسقاط الشخص بدل مناقشة الفكرة؛ فإن لم يجد حجة لجأ إلى السخرية، وإن ضاقت به السخرية استعان بالتشكيك، وإن أعياه كل ذلك رفع صوته، كأن ارتفاع الصوت يمكن أن يرفع منسوب المعرفة.
أما العالم الحقيقي، فلا تستفزه الأسئلة، ولا يخشى المناقشة، ولا يرى في النقد النزيه انتقاصًا من قدره؛ لأنه يعرف أن العلم لا يكتمل بالصوت العالي، وإنما يتقدم بالسؤال والدليل والمراجعة. ولذلك يبقى هادئًا حين تضطرب الأصوات من حوله، واثقًا من أن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ كي تثبت وجودها.
وثمة فارق لا ينبغي أن يغيب: هناك من يعترض لأنه يفكر، وهذا قد يكون شريكًا في صناعة المعرفة، وهناك من يعترض لأنه يجهل، وهذا لا يريد أن يفهم بقدر ما يريد أن يهدم. الأول يفتح نافذة للسؤال، والثاني يحاول إطفاء النور لأنه أزعج عينيه.
ولذلك لا ينبغي للعلم أن ينزعج من جرأة الجاهل؛ فبعض الجرأة ليست شجاعة، وإنما جهل فقدَ حياءه. وأشد ما يفضح المرء أن يتحدث في أمر بثقة من أحاط به علمًا، بينما لم يبذل في سبيل معرفته وقتًا، ولم يحمل نفسه مشقة البحث، ثم يتوهم أن جهله ندٌّ لعلم غيره.
إن العلم لا يحتاج إلى أن يدافع عن نفسه أمام كل عابر؛ فله أثره، ولصاحبه تاريخه، وللحقيقة في النهاية قدرة عجيبة على البقاء، مهما علا ضجيج الذين لم يعرفوا منها إلا اسمها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق