دكتور محمد الشافعي
ليست كل العقول سواء، ولا كل الحوارات سواء. فثمة حديث يفتح نافذة في النفس، ويترك وراءه فكرة جديدة، وثمة حديث آخر يشبه السير في طريق مغلق؛ تمضي فيه طويلًا، ثم تكتشف أنك لم تتحرك من موضعك.
بعض الناس لا يدخلون الحوار وفي نفوسهم رغبة في الوصول إلى الحقيقة، وإنما يدخلونه وهم يحملون حكمًا نهائيًا لا يريدون له أن يتغير. إن قلت شيئًا خالف ما استقر في رؤوسهم، أغلقوا آذانهم، وإن أتيتهم بالدليل، بحثوا عن مخرج منه، وإن ضاقت بهم الحجة، لجأوا إلى العناد أو التحيز أو رفع الصوت. وهنا لا يعود الحوار بحثًا عن الحقيقة، وإنما يتحول إلى شد للحبل، وكل طرف يريد أن يثبت أنه لم يتراجع.
وفي مثل هذه المواقف، لا تكون المشكلة دائمًا في قوة حجتك أو ضعفها؛ فقد تكون على حق كامل، ومع ذلك لا تصل إلى شيء. فالحقيقة لا تكفي وحدها حين يكون الطرف الآخر قد قرر مسبقًا ألا يراها.
ولذلك تعلمت أن ليس كل ما نعرفه ينبغي أن ندافع عنه حتى النهاية، وليس كل من أخطأ في حقنا يستحق أن نقيم له محكمة من الكلام. أحيانًا يكون الانسحاب من الجدال أكثر حكمة من الانتصار فيه، لأن بعض الانتصارات لا تترك لك إلا التعب، بينما لا تغير في الطرف الآخر شيئًا.
والأغرب أن بعض المجادلين لا تعنيهم الحقيقة بقدر ما يعنيهم أن يروك غاضبًا. يستفزك بكلمة، ثم ينتظر ردك، فإذا أجبته جرّك إلى أخرى، حتى تجد نفسك وقد تركت هدوءك في منتصف الطريق، وصرت تدافع وتشرح وتبرر، بينما هو يزداد متعة كلما ازداد انفعالك.
وهنا تحديدًا يصبح الصمت قوة.
حين لا ترد، تسقط اللعبة من يده. وحين لا تمنحه غضبك، لا يجد ما يبني عليه جداله. تترك كلمته في مكانها، وتمضي. لا لأنك عجزت عن الرد، ولا لأن الحق لم يكن إلى جانبك، وإنما لأنك أدركت أن طاقتك أغلى من أن تُنفق على شخص قرر ألا يفهم.
إن بعض الناس لا يحتاجون إلى أن تقنعهم، وإنما يحتاجون فقط إلى ألا تسمح لهم بأن يستنزفوك.
دعهم مع أفكارهم، ومع عنادهم، ومع حاجتهم الدائمة إلى أن يكونوا على صواب. ليس من شأنك أن تصلح كل عقل مغلق، ولا أن تفتح كل أذن أغلقت نفسها. هناك معارك لا تستحق أن تدخلها، وأشخاص لا يستحقون أن تأخذهم معك إلى مساءك، ولا أن تجعل كلماتهم تفسد عليك يومًا كاملًا.
والتجاهل ليس دائمًا ضعفًا كما يظن البعض؛ فقد يكون أرقى درجات السيطرة على النفس. أن تسمع ولا تنفعل، وأن تفهم ما يراد بك دون أن تمنح صاحبه ما يريد، وأن تعرف أن الرد ليس واجبًا لمجرد أن أحدهم ألقى كلمة في طريقك.
فبعض الأمور لا تحتاج إلى إصلاحها بالكلام، وإنما تحتاج إلى أن تتركها قليلًا حتى تستعيد موضعها الطبيعي. وبعض العلاقات لا تهدأ بكثرة العتاب، وإنما بمسافة تحفظ ما بقي من الود. وبعض الأشخاص لا يتوقفون لأنك أقنعتهم، وإنما لأنك توقفت عن منحهم الفرصة لاستنزافك.
لذلك اختر صمتك كما تختار كلماتك.
فليس كل ما يستفزك يستحق جوابًا، وليس كل من يجادلك يستحق وقتك، وليس كل معركة تخوضها تكون جديرة بأن تنتصر فيها.
أحيانًا يكون أجمل ما تفعله أن تبتسم، وتصمت، وتمضي.
فما لا تستطيع أن تصلحه بالكلام، قد يصلحه تجاهلك، وما كان يريد أن يسلبك سلامك، قد يرتد إلى صاحبه حين لا يجد منك إلا الصمت.
وعندها تكون قد ربحت الشيء الأهم: أن تظل أنت، دون أن تسمح لأحد أن يجرّك إلى الصورة التي يريدها لك.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق