د. محمد الشافعي
ليس أثمن ما يملكه الإنسان مالًا يدخره، ولا منصبًا يتقلده، ولا شهرةً يلهث خلفها، بل عقلٌ هادئ لا تعبث به الفوضى، وقلبٌ مطمئن لا تعبث به الخصومات. وما أكثر الذين يخسرون هذا الكنز الثمين حين يسمحون لأشخاص لا قيمة لهم أن يحتلوا مساحة واسعة من تفكيرهم، فيمنحونهم من الاهتمام ما لا يستحقون، ومن أعمارهم ما ليس لهم فيه حق. فكم من إنسان غادر حياتنا منذ سنوات، لكنه ما زال يقيم في عقولنا بلا إذن، يستنزف من أعصابنا أكثر مما استنزفه يوم كان حاضرًا بيننا.
العقل ليس ساحةً مفتوحة لكل عابر، ولا مستودعًا تُلقى فيه بقايا المواقف المؤلمة والوجوه المثقلة بالسلبية. إنه موطن القرار، ومنبع الإبداع، ومصدر الاتزان. فإذا ازدحم بما يؤذي، ضاقت فيه مساحات الحكمة، وخبا نور البصيرة، وأصبح الإنسان أسيرًا لأفكار تستنزفه أكثر مما تبني مستقبله. والعجيب أن كثيرًا من الناس يحرصون على تنظيف بيوتهم كل يوم، لكنهم يتركون عقولهم نهبًا لغبار الذكريات، حتى تتحول إلى متحفٍ للخيبات، بدلًا من أن تكون منارةً للأمل.
وليس كل من أساء إليك يستحق أن تمنحه شرف البقاء في ذاكرتك، فبعض الناس يرحلون بأجسادهم، لكنهم يظلون مقيمين في عقولنا لأننا نحن من أبقينا لهم هذا المقام. نستعيد كلماتهم، ونراجع مواقفهم، ونخوض معهم معارك انتهت منذ زمن، فنكون نحن الخاسر الوحيد في حربٍ لا وجود لها إلا في أذهاننا. وما أقسى أن يتحول الماضي إلى سجان، ومفتاح الزنزانة لا يزال في أيدينا.
ومن صور النضج الحقيقية أن تدرك أن التجاهل ليس ضعفًا، وأن الانصراف عن بعض الأشخاص ليس تقليلًا من شأنهم، بل تعظيمًا لشأن نفسك. فما قيمة أن تنتصر في جدال مع شخص لا يبحث عن الحقيقة؟ وما جدوى أن تستهلك أعصابك في محاولة إرضاء من اتخذ من الجحود طبعًا، ومن التقليل من الآخرين منهجًا؟ إن بعض المعارك لا تُربح بالاستمرار فيها، وإنما بالانسحاب منها، وبعض الانتصارات لا يسمع لها ضجيج، لكنها تترك في النفس أعمق أثر.
إن تنظيف العقل لا يقل أهمية عن تنظيف القلب. فكما تتخلص من الأشياء التالفة التي تملأ بيتك وتضيق عليك مساحته، تخلّص من الأفكار التي أنهكتك، ومن الذكريات التي انتهى زمنها، ومن الأشخاص الذين لا يتركون في روحك إلا الغبار. وتأمل البستاني الحكيم؛ فهو لا يكتفي بغرس الأشجار، بل يقتلع الأعشاب الضارة قبل أن تمتد جذورها وتخنق ما حولها. وكذلك العقل، لا يكفي أن تملأه بالأحلام، بل ينبغي أن تحرسه مما يفسدها.
واجعل في عقلك مكانًا لمن يضيف إلى حياتك معنى، ويمنحك أملًا، ويذكّرك بقيمتك، ويدفعك إلى الأمام. فهؤلاء هم الثروة الحقيقية التي لا تُقاس بعددها، بل بصدقها وأثرها. أما أولئك الذين لا يجلبون سوى الضيق والاضطراب، فإخراجهم من دائرة التفكير ليس خسارة، بل هو أعظم المكاسب؛ لأن المكان الذي يتركه السلبيون في عقلك، تملؤه الطمأنينة، ويشغله الأمل، وتسكنه الأفكار التي تصنع مستقبلًا أفضل.
تذكر دائمًا أن راحة البال لا يمنحها الناس، وإنما يصنعها الإنسان بقراراته. وأول هذه القرارات أن يكون حارسًا أمينًا على أبواب عقله، فلا يسمح لكل عابر أن يدخله، ولا لكل كلمة أن تستقر فيه، ولا لكل إنسان أن يشغل من حياته أكثر مما يستحق. فليست الحكمة أن تُحسن فتح الأبواب فحسب، بل أن تعرف أيضًا متى تُغلقها.
فاشترِ عقلك من كل ما يرهقه، ونظّفه من كل ما يثقله، وامنح وقتك وفكرك لمن يستحقهما. فالحياة أقصر من أن تُهدر في مطاردة السلبيين، وأثمن من أن تُستنزف في حمل من لا يقدّرون وجودك. وعندما تتقن فن اختيار من يسكن عقلك، تكون قد وضعت أول خطوة على طريق السكينة؛ لأن أعظم الانتصارات ليست في أن تكسب الناس جميعًا، بل في أن تكسب نفسك، وتحفظ سلامها من كل ما لا يستحق.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق