2026-07-06

الكفاءة النفسية



د. محمد الشافعي

الكفاءة النفسية... مسؤولية قبل أن تكون ميزة.

لا تقل الكفاءة النفسية أهمية عن الكفاءة العلمية أو المهنية في أي وظيفة تتعامل مع البشر. فالموظف العام، والمعلم، والأستاذ الجامعي، والعامل، وكل من يتولى مسؤولية تمس حياة الناس، لا يكفي أن يكون مؤهلًا علميًا أو ماهرًا في أداء عمله، بل ينبغي أيضًا أن يتمتع بقدر من الاتزان النفسي الذي يمكنه من التعامل مع الآخرين باحترام وحكمة وعدالة.

فالإنسان الذي يعاني من اضطرابات نفسية غير معالجة، أو يعيش صراعًا داخليًا ينعكس على سلوكه، قد يصبح مصدرًا للأذى دون أن يقصد. وعندما يكون هذا الشخص في موقع مسؤولية، فإن آثار ذلك لا تقف عند حدود شخصه، بل تمتد إلى كل من يتعامل معهم يوميًا.

ونرى أحيانًا نماذج تتسم بالفظاظة والغلظة، ويصعب التنبؤ بردود أفعالها أو فهم منطق تصرفاتها، حتى يبدو التعامل معها وكأنه بلا قواعد أو معايير واضحة. فبدلًا من أن يشعر الناس بالأمان والاحترام، يصبحون في حالة دائمة من التوجس، خشية رد فعل غير متوقع أو معاملة تفتقر إلى الاتزان.

ولعل أخطر مثال على ذلك هو المعلم؛ إذ لا يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل يسهم في بناء شخصية تلاميذه، ويؤثر في ثقتهم بأنفسهم ونظرتهم إلى الحياة. فإذا كان سريع الغضب، مضطرب الانفعال، أو يفرغ صراعاته النفسية فيمن تحت يده، فإن ضحايا هذا الخلل سيكونون أبناءً في مرحلة التكوين، وقد تظل آثار تلك الممارسات عالقة في نفوسهم سنوات طويلة.

ومنهم ذلك الذي يصفه الناس مجازًا بـ"الجحشان"، فلا يكاد أحد يفهم له منطقًا أو يتوقع له تصرفًا، وكأن التعامل معه بلا كتالوج أو قاعدة يمكن الاهتداء بها.

ولا يختلف الأمر في بقية المهن؛ فالموظف الذي يتعامل مع الناس بفظاظة دائمة، أو الطبيب الذي يفتقد الاتزان الانفعالي، أو المسؤول الذي يعجز عن ضبط انفعالاته، جميعهم قد يسيئون إلى من حولهم ويشوّهون رسالة الوظيفة التي أُسندت إليهم.

ومنهم من يتعامل مع الناس بعنف وجفاء، حتى ليبدو وكأنه لا يحكمه منطق ولا ضابط، فلا يعرف له أسلوب ثابت في التعامل.

وليس المقصود من ذلك وصم كل من يعاني اضطرابًا نفسيًا أو الانتقاص من قدره؛ فالاضطرابات النفسية أمر قد يمر به أي إنسان، وهي تستحق العلاج والدعم والاحتواء. لكن المقصود هو التأكيد على أن من يمارس وظيفة تؤثر في حياة الآخرين يجب أن يكون قادرًا على أداء مسؤولياته بكفاءة واتزان، وأن يحصل على العلاج المناسب إذا احتاج إليه، حتى لا يتحول خلله الشخصي إلى عبء يتحمله المجتمع.

إن الاهتمام بالصحة النفسية للعاملين في مؤسسات الدولة ليس ترفًا إداريًا، بل هو استثمار في جودة الخدمة، وحماية لكرامة المواطن، وضمان لبيئة عمل أكثر إنسانية وعدلًا. فكما نحرص على سلامة الجسد، ينبغي أن نحرص بالقدر نفسه على سلامة النفس؛ لأن النفس السوية هي أساس القرار الرشيد، والتعامل الكريم، والأداء المهني الذي يليق بالإنسان.

وهذا المقال يمثل صيحة وعي بضرورة إدراج "السلامة النفسية" ضمن معايير الجودة والتوظيف في مؤسسات الدولة، لحماية كرامة المواطن وضمان بناء أجيال مستقرة ونفسية سوية.

ليست هناك تعليقات: