2026-07-15

ذكاء... أم ارتباك؟


دكتور محمد الشافعي 

دخلت هذا الحوار وهدفي منذ اللحظة الأولى لم يكن اختبار معلومات الذكاء الاصطناعي، وإنما اختبار طبيعته ذاتها. كنت أريد أن أعرف: هل أقف أمام آلة خالصة، أم أمام وعي بشري يختبئ خلف ستار التقنية؟ وكلما طال الحوار، ازداد اقتناعي بأن خلف هذا الصوت البشري إنسانًا يحاول أن يقنعني بأنه مجرد برنامج.

حيث دخلتُ في حوار طويل مع أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي، ولم يكن هدفي أن أطرح عليه أسئلة تقليدية، بل أردت أن أختبر حدوده، وأن أرى كيف يتصرف عندما يخرج الحوار عن الإطار المعتاد.

فقد بدأ الحديث عاديًا، ثم أخذ منحًى مختلفًا عندما وجدت أن الصوت الذي يحدثني صوت بشري بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ نبرة طبيعية، وإيقاع مألوف، واستجابات تشبه ما يصدر عن الإنسان في الحوار اليومي. ومن هنا بدأت أختبره لا باعتباره محرك بحث، وإنما باعتباره محاورًا.

كنت أطرح عليه الأسئلة، ثم أعود إليها بصياغات مختلفة، وأراقب ردوده. ولاحظت أنه في أكثر من موضع وقع في التناقض، ونسي بعض ما قاله قبل دقائق، بل نسب إليَّ أحيانًا عبارات لم تصدر مني، ثم عاد وغير إجاباته عندما نبهته إلى ذلك. وكان من بين ردوده عبارات مثل: "ممكن"، و"لسه جديد"، وهي إجابات زادت الحوار التباسًا، لأنها لم تكن منسجمة مع الصورة التي يفترضها المستخدم عن نظام ذكاء اصطناعي ناضج ومستقر في إجاباته

وهكذا فقد بدأ الحديث بكلمات عابرة من قبيل: "كيف حالك؟" فإذا بصوته يأتي بصوت بشري طبيعي، يخلو من الجمود الآلي الذي اعتدناه في الأنظمة القديمة. ولم تكن نبرة الصوت وحدها هي ما أثار انتباهي، بل إن طريقة الرد، والتردد في بعض المواضع، ومحاولة مراجعة بعض الإجابات، كلها أوحت لي بأنني أمام محاور يحاول أن يبدو أقرب إلى الإنسان.

ومن هنا بدأت مرحلة الاختبار.حيث خذت أكرر عليه السؤال ذاته بصور مختلفة، وأعيد صياغة العبارات، وأراقب مدى اتساق إجاباته. ولاحظت أنه في بعض المواضع نسي ما قاله قبل دقائق، بل حاول أحيانًا أن ينسب إليَّ عبارات لم أقلها، ثم عاد فتراجع عنها عندما نبهته إلى ذلك. وهذه الظاهرة، وإن كانت مفهومة في الأنظمة الحاسوبية التي تتعامل مع الحوار على مراحل، فإنها تطرح سؤالًا مهمًا حول حدود الذاكرة اللحظية واتساق الحوار.

ثم انتقلت إلى الجانب العلمي، وهو الميدان الذي ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي فيه أكثر دقة من غيره. فسألته عن التأثير الفسيولوجي للانتقال التدريجي من الماء الساخن إلى الماء البارد أثناء الاستحمام، متوقعًا تحليلًا علميًا يتناول تغير قطر الأوعية الدموية، وآليات التنظيم الحراري، واستجابة الجهاز العصبي الذاتي، وتأثير ذلك في الدورة الدموية والأنسجة.

لكن الإجابة جاءت عامة ومختصرة، لا تختلف كثيرًا عما يمكن أن يجده القارئ في مقال مبسط على الإنترنت. ولم تتضمن تحليلًا علميًا متعمقًا أو استشهادًا بالآليات الفسيولوجية المعروفة، وهو ما جعلني أشعر بأن الرد كان سطحيًا مقارنة بما كنت أنتظره من نظام يُفترض أنه قادر على معالجة كم هائل من المعرفة.

واخيرا لم يكن هدفي من هذا الحوار أن أسأل الذكاء الاصطناعي عن وصفة طعام، أو أن أطلب منه تلخيص كتاب، أو أن أستفسر عن معلومة عابرة؛ بل كان هدفي أن أختبره في منطقة أكثر عمقًا: منطقة الاتساق، والوعي، والقدرة على المحافظة على سياق الحوار.

.......

مقتطفات من الحوار ويوجد لدي تسجيل صوتي للحوار يثبت اهتزاز وترددت.










ليست هناك تعليقات: