2026-07-11

عفوًا... أنا مدرب


دكتور محمد الشافعي 

أُعلن رسميًا... أنا جاهز لتدريب أي فريق!

بعد تفكير عميق، ومراجعة دقيقة لأحوالي المالية، ودراسة متأنية لسوق العمل، وصلت إلى قناعة راسخة بأنني أضعت سنوات طويلة من عمري في المكان الخطأ. ولذلك أعلن، وعلى رؤوس الأشهاد، استعدادي الكامل لتولي مهمة المدير الفني لأي فريق كرة قدم؛ محليًا كان أو عربيًا أو عالميًا.

ولا يسألني أحد عن سجلي التدريبي، فخبرتي في كرة القدم عريضة إلى الحد الذي يجعلني أميز بسهولة بين الضربة الركنية والخطأ المباشر، وأعرف أن حارس المرمى لا يجوز له لمس الكرة خارج منطقة الجزاء، وهذه مؤهلات أرى أنها كافية في زمن أصبحت فيه المعايير أكثر مرونة من أي وقت مضى.

أما فلسفتي التدريبية فهي ثورية بكل المقاييس، وستقلب مفاهيم كرة القدم رأسًا على عقب، وربما تحتاج البشرية إلى ثمانية وستين عامًا على الأقل حتى تستوعبها. لذلك أرجو من الجماهير التحلي بالصبر، فكل الأفكار العظيمة قوبلت في بدايتها بالدهشة، وبعضها بالضحك أيضًا.

وأؤمن إيمانًا لا يتزعزع بأن اللاعب لا ينبغي أن يُحبس داخل مركزه. فمن يلعب في الجناح الأيمن يمكن أن أجعله في الجهة اليسرى، والمدافع الصلب قد يتحول إلى رأس حربة، والمهاجم قد يكتشف فجأة أنه حارس مرمى بالفطرة. لماذا نقيد المواهب بقوانين قديمة؟ إن كرة القدم الحديثة لا تعترف بالحدود، بل تعترف بالمفاجآت!

أما الحديث عن المهارات الفردية، أو الوعي التكتيكي، أو إجادة اللاعب لمركزه، فهذه ـ في رأيي ـ أفكار كلاسيكية عفا عليها الزمن. اللاعب الحقيقي هو من يكتشف مركزه أثناء المباراة، وربما بعد نهايتها أيضًا.

ولدي خطة لعب محكمة يصعب اختراقها؛ تعتمد على اصطفاف عشرة لاعبين في خط واحد، يتحركون معًا ذهابًا وإيابًا كأنهم سور بشري متحرك. بهذه الطريقة لن يمر أحد، وإن مر أحد فسيكون ذلك بسبب سوء تفاهم مع قوانين الفيزياء، وليس بسبب خطتي. كما أن هذه الطريقة تجعل كشف مصيدة التسلل أكثر سهولة، لأن الجميع سيكونون في المكان نفسه تقريبًا!

أما الهجوم، فهو جانب لا أحب المبالغة فيه. فبدلًا من إرهاق اللاعبين بمحاولات تسجيل الأهداف، أعتمد على إستراتيجية أكثر هدوءًا؛ وهي إحراج المنافس نفسيًا حتى يمل المباراة وينصرف، فنُحتسب فائزين معنويًا على الأقل. أليست الروح الرياضية أهم من النتيجة؟

ولولا أنني طالعت أخبار الرواتب التي يتقاضاها بعض المدربين، لما فكرت أصلًا في هذا المجال. فعندما علمت أن هناك من يحصل على ملايين الجنيهات شهريًا مقابل إدارة فريق كرة قدم، أدركت أنني ظلمت نفسي سنوات طويلة بين الكتب والمحاضرات والبحوث والطلاب.

وللمفارقة، فإن المقارنة بين الأستاذ الجامعي ومدرب الكرة أصبحت مادة ثرية للسخرية. الأول يقضي عمره في البحث والتأليف والتدريس والإشراف العلمي، ثم يعود آخر الشهر ليبحث عن طريقة لتدبير نفقاته. أما الثاني، فإذا تعثر فريقه عدة مباريات، غادر بمكافأة قد تكفي الأستاذ الجامعي أعوامًا طويلة.

وليست المشكلة في أن يحصل المدرب المتميز على أجر كبير؛ فكل مجتهد يستحق التقدير. لكن المفارقة المؤلمة أن المجتمع كثيرًا ما يقيس القيمة بحجم العقد، لا بحجم العطاء، ويمنح الأضواء لمن تصنعهم الشاشات، بينما يترك أصحاب العلم يعملون في صمت، وكأن المعرفة أصبحت هواية، لا ركيزة من ركائز بناء الأمم.

لذلك، وحتى يتحقق التوازن المفقود، أكرر إعلاني: أنا جاهز لتدريب أي فريق. فإن نجحت، فذلك بفضل عبقريتي التدريبية التي لم يسبقها أحد. وإن أخفقت، فسأطلب من الجميع الانتظار ثمانية وستين عامًا أخرى حتى يفهموا فلسفتي... ففي زماننا هذا، يبدو أن الصبر مطلوب مع الخطط الكروية أكثر مما هو مطلوب مع البحث العلمي.

هناك تعليق واحد:

د.فوزي عبد العزيز يقول...

يا دكتور محمد، أرفع لك القبعة إعجاباً بهذه "الانتفاضة التكتيكية" الساخرة!
​لقد صغت بأسلوبك المتهكم واللاذع وجعاً حقيقياً يعيشه كل صاحب علم وفكر في مجتمعاتنا العربية. مقالك ليس مجرد إعلان ساخر عن جاهزيتك للتدريب، بل هو "بيان احتجاجي" مغلف بالكوميديا السوداء، يضع الإصبع على جرح المقارنة الظالمة بين قيمة "صناع العقول" وقيمة "صناع الترفيه".