2026-07-07

صناعة الوهم


دكتور محمد الشافعي

صناعة القيمة الوهمية

من أخطر ما يمكن أن يمارسه الإعلام أن يصنع قيمةً لمن لا قيمة له، وأن يمنح الشهرة لمن لا يملك مؤهلاتها، حتى يصبح الحضور الإعلامي بديلًا عن الكفاءة، والتكرار بديلًا عن الموهبة، والانتشار بديلًا عن الاستحقاق.

ويتجلى ذلك في مجالات عديدة. ففي الإعلام نفسه، يطل علينا عدد من مقدمي البرامج الذين لم يدرسوا الإعلام دراسة أكاديمية، ولا يمتلكون أدواته المهنية، ولا يتمتعون بالحضور الذي يؤهلهم للظهور أمام الجمهور. ومع ذلك، يستمرون في تقديم البرامج لسنوات، وكأن مجرد الوجود على الشاشة أصبح شهادة كفاءة، رغم أن ما يقدمونه يفتقر إلى العمق والاحتراف.

وإذا عقدنا مقارنة بما كان عليه الإعلام المصري في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لوجدنا فرقًا شاسعًا. فقد كان المذيع آنذاك يُختار بعناية، بعد إعداد علمي وثقافي ولغوي ومهني، ولذلك ظل كثير منهم حاضرًا في ذاكرة الناس باحترام وتقدير، لأنهم امتلكوا أدواتهم قبل أن يمتلكوا الشهرة.

ولا يقف الأمر عند حدود اختيار الإعلاميين، بل يمتد إلى تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع. فالإعلام قادر على تكرار صورة معينة حتى تتحول في أذهان الناس إلى حقيقة لا يناقشونها. فيُقنع الجمهور بأن هذا المطرب يمتلك صوتًا استثنائيًا، أو أن تلك الممثلة صاحبة أداء فريد، بينما قد تكون الحقيقة بعيدة عن ذلك تمامًا. إن التكرار والدعاية المنظمة قد يصنعان نجومية لا تستند إلى موهبة حقيقية، وإنما إلى دعم إعلامي متواصل.

والأمر ذاته يتكرر في كرة القدم؛ فقد يسجل لاعب هدفًا عابرًا أو يقدم مباراة جيدة، فتبدأ بعض البرامج الرياضية والمعلقين في تضخيم إنجازه، حتى يُصوَّر على أنه موهبة العصر، بينما الواقع قد لا يبرر كل هذا الاحتفاء. وهكذا تتحول المبالغة الإعلامية إلى وسيلة لصناعة الأبطال، لا لاكتشافهم.

إن الإعلام الحقيقي لا يصنع الوهم، بل يكشف الحقيقة. ولا يمنح المكانة إلا لمن يستحقها، ولا يفرض على الناس أذواقًا أو قناعات مصطنعة، بل يساعدهم على التمييز بين الموهبة الحقيقية والنجومية المصنوعة.

فإذا أصبح الإعلام أداة لتزييف معايير التفوق، فإن الخاسر الأكبر هو المجتمع؛ لأنه يفقد قدرته على التفرقة بين الأصل والصورة، وبين الكفاءة والدعاية، وبين القيمة الحقيقية والقيمة التي صُنعت في الاستوديوهات.

هناك تعليقان (2):

Fatma يقول...

💗💗💗💗💗💗

Fatma يقول...

جميل جدا ماشاء الله