2026-07-16

الأدب أولًا




 

دكتور محمد الشافعي 

الأدب... الثوب الذي لا يَبلى

قد يكتسب الإنسان علمًا غزيرًا، ويحصل على أعلى الدرجات العلمية، ويبلغ مكانة مرموقة بين الناس، لكن سوء الخلق قد يهدم كل ذلك في لحظة. وعلى الجانب الآخر، قد يكون الإنسان قليل العلم، محدود الثقافة، إلا أن حسن أدبه، وطيب معشره، وسمو أخلاقه، يجعلونه موضع تقدير واحترام الجميع.

ولعل من أصدق ما قيل في هذا المعنى:

"قليل الأدب لا يستره العلم، ولكن قليل العلم يستره الأدب."

وهي مقولة تختصر حقيقة إنسانية عميقة؛ فالعلم يزين العقل، أما الأدب فيزين الإنسان كله.

كم من عالمٍ أسقطه تكبره، ونفّر الناس منه سوء خلقه، فلم ينتفعوا بعلمه إلا قليلًا. وكم من إنسان بسيط لم يحمل شهادة كبيرة، لكنه حمل قلبًا كريمًا ولسانًا طيبًا وأدبًا رفيعًا، فارتفع في أعين الناس، ونال محبتهم واحترامهم.

وليس شرطًا أن تكون إمامًا في المحراب حتى تكون قدوة، فقد تكون إمامًا في الأخلاق، وفي التواضع، وفي الصبر، وفي العطاء، وفي العفو، وفي التسامح. فهذه القيم هي التي تصنع الإنسان الحقيقي، وهي التي تبقى أثرًا طيبًا بعد رحيله.

إن الأخلاق ليست أمرًا ثانويًا في حياة الإنسان، بل هي أساس شخصيته، وجوهر قيمته. ولذلك كان من أعظم ما مدح الله به نبيه الكريم ﷺ قوله تعالى:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

فلم يكن المدح لعلمه، ولا لفصاحته، ولا لقوته، وإنما كان المدح لعظمة خُلُقه، لأن الأخلاق هي أعظم ما يزين الإنسان، وهي الميزان الحقيقي لقيمته.

ولذلك قيل أيضًا: التربية قبل التعليم؛ فالعلم يمكن اكتسابه في المدارس والجامعات، أما الأدب فيُغرس في البيوت، وتبنيه القدوة الصالحة، وتصقله التجارب والمواقف.

وصدق من قال: الأخلاق كالأرزاق؛ فالناس فيها غني وفقير. فليس كل متعلم مؤدبًا، وليس كل محدود التعليم قليل القيمة، لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحمله من شهادات، وإنما بما يحمله من مبادئ وأخلاق.

وقد عبّر أمير الشعراء أحمد شوقي عن هذه الحقيقة الخالدة بقوله:

«إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.»

فالأمم لا تنهض بالعلم وحده، وإنما تنهض حين يقترن العلم بالأدب، والمعرفة بالخلق، والقوة بالرحمة.

وفي النهاية، يبقى الأدب هو الثوب الذي لا يبلى، والزينة التي لا يبهت بريقها. فقد يستر الأدب قلة العلم، ويمنح صاحبه مكانة في القلوب، أما العلم فلا يستطيع أن يستر قلة الأدب، لأن الناس قد تُعجب بعقلك، لكنها لا تُحبك إلا بأخلاقك. ولهذا فإن صاحب الشهادة قد يحظى بالتقدير لعلمه، أما صاحب الأدب فإنه يحظى بالاحترام والمحبة، وذلك هو المقام الذي يبقى أثره في النفوس.

وأن تلك المقارنة اللطيفة بين "العلم" كزينة للعقل، و"الأدب" كزينة للذات الإنسانية بأكملها، تذكرنا بأن المعرفة بلا وعي أخلاقي قد تتحول أحيانًا إلى أداة للتكبر والنفور، بينما يظل الأدب دائمًا جسرًا يعبر القلوب بلا استئذان.

فالأدب بالفعل هو "الثوب الذي لا يبلى"؛ يرحل المرء وتبقى سيرته العطرة وحسن معشره يتردد كأثر جميل لا يمحوه الزمن. والمدارس تمنح حشو العقول بالمعلومات، بينما البيوت الدافئة والقدوة الصالحة هي التي تصنع النفوس الكريمة.


ليست هناك تعليقات: