دكتور محمد الشافعي
ليس أخطر ما يواجه المجتمعات أن يكثر الخطأ، وإنما أن تشعر القيم نفسها بالغربة في موطنها؛ فيصبح الصدق تهمة، والأمانة سذاجة، والعدل تشددًا، والنفاق لباقة، والوقاحة قوة شخصية. وعندما تُقلب الموازين إلى هذا الحد، لا يغترب الإنسان عن مجتمعه فحسب، بل تغترب القيم ذاتها عن ضمائر الناس، فتفقد الكلمات معانيها، وتفقد الفضائل مكانتها، ويغدو الحق محتاجًا إلى من يدافع عنه أكثر من احتياجه إلى من يعرفه.
حيث تمضي المجتمعات أحيانًا في مساراتٍ تجعل الإنسان يشعر وكأنه يعيش في عالمٍ تبدلت فيه أسماء الأشياء؛ فلم يعد الخطأ يُسمى خطأ، ولا الفضيلة فضيلة، بل أُلبست الأفعال ثيابًا جديدة تُخفي حقيقتها، حتى غدا كثير من الناس يحاكمون السلوك بحسب ما يحققه من منفعة، لا بحسب ما يحمله من قيمة.
إذ ليست أخطر الأزمات التي تواجه المجتمعات هي انتشار الخطأ، فالخطأ قديمٌ قِدم الإنسان، وإنما تكمن الخطورة الحقيقية حين يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين الحق والباطل، وحين تُستبدل الأسماء، فتُسمى الرذيلة مهارة، والنفاق دبلوماسية، والوقاحة قوة شخصية، والالتزام سذاجة، والصدق تهورًا، والضمير عقبةً في طريق النجاح.
لقد أصبحنا نعيش زمنًا يشهد انقلابًا في المعايير؛ زمنًا لا يُقاس فيه الإنسان بما يحمله من أخلاق، بل بما يملكه من قدرة على تحقيق المكاسب، ولو كان الثمن التفريط في المبادئ. وأصبحت كثير من القيم تُعاد صياغتها بما يتوافق مع المصالح الآنية، حتى بدا وكأن الفضائل القديمة لم تعد تصلح لعصر السرعة.
فالصدق، الذي كان يومًا تاج الفضائل، أصبح في نظر البعض سببًا للمشكلات. فإذا قال إنسان الحقيقة، سارع من حوله إلى لومه قائلين: "كان بإمكانك أن تجامل"، أو "ليس كل ما يُعرف يُقال". ولا يقف الأمر عند الدعوة إلى اللين في الأسلوب، وهو أمر محمود في موضعه، بل يتجاوز ذلك أحيانًا إلى مطالبة الإنسان بإخفاء الحقيقة أو تزييفها حفاظًا على المصالح والعلاقات، فيتحول الصدق من فضيلة إلى تهمة.
وفي المقابل، يجد المتلون الذي يمدح الناس بما ليس فيهم، ويغير مواقفه تبعًا لمصلحته، من يصفه بأنه "ذكي اجتماعيًا"، وكأن القدرة على تبديل الأقنعة أصبحت مهارة تستحق الإعجاب، لا سلوكًا يفتقد إلى الصدق والثبات.
ثم جاءت وسائل التواصل الحديثة لتضيف ميزانًا جديدًا لا يقوم دائمًا على الجودة، بل على لفت الأنظار. فأصبح بعض صناع المحتوى يحققون الشهرة عبر الإثارة، أو السطحية، أو اختلاق الجدل، بينما يظل أصحاب العلم والخبرة سنوات طويلة يقدمون المعرفة في هدوء دون أن يلتفت إليهم إلا القليل. وهكذا غلبت الضوضاء أحيانًا على القيمة، وغلب الانتشار على الجودة.
ولم يتوقف انقلاب الموازين عند هذا الحد، بل امتد إلى مفهوم القوة ذاته. فأصبح من يرفع صوته، ويتجاوز على حقوق الآخرين، ويقتحم الصفوف، ويتعامل بفظاظة، يُوصف بأنه "شخصية قوية"، بينما يُتهم المؤدب الذي يحترم النظام ويصبر على حقه بأنه ضعيف أو لا يعرف كيف يعيش.
بل إن المجتمع قد يمتدح أحيانًا من يتهرب من مسؤولياته، أو يلقي أخطاءه على غيره، أو يستغل الثغرات لتحقيق مكاسب شخصية، ويصفه بأنه "شاطر" و"يعرف من أين تؤكل الكتف". أما الإنسان الذي يعترف بخطئه ويتحمل مسؤوليته كاملة، فيُنظر إليه وكأنه قليل الخبرة بالحياة.
ومن الأمثلة المؤلمة أن الموظف الذي يرفض الرشوة أو الواسطة قد يتعرض للوم لأنه "يعقد الأمور"، بينما يُشاد بمن يخالف اللوائح لإنجاز المعاملات بالمجاملة والمحسوبية. وكذلك عضو الكنترول الذي يضبط حالة غش قد يجد من يلومه بدلاً من لوم الغشاش، وكأن تطبيق اللوائح أصبح هو الجريمة، أما مخالفتها فهي أمر يستحق التعاطف.
ونرى المشهد ذاته في الطرقات؛ فالسائق الذي يلتزم بقواعد المرور يُطلق عليه بعضهم أنه "يعطل السير"، بينما يُعجبون بمن يقود بتهور ويتجاوز الجميع باعتباره "يعرف كيف يصل". وفي بيئة العمل قد يُتهم الموظف المجتهد بأنه "يبالغ في الالتزام"، بينما يُكافأ من يجيد الظهور أمام المسؤولين ولو كان إنتاجه ضعيفًا. وفي المدارس قد يسخر بعض الطلاب من المجتهد، ويصفونه بأنه "معقد"، في حين يحظى المهمل الذي يعتمد على الغش أو الحيل بإعجاب زائف.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نعمم هذا المشهد على المجتمع كله؛ فما زالت هناك أسر تربي أبناءها على الصدق، ومعلمون يؤمنون برسالتهم، وقضاة وموظفون وعمال وأطباء ومهنيون يتمسكون بالأمانة رغم الضغوط، لكنهم يحتاجون إلى بيئة تحتفي بالقيمة، لا بالمنفعة وحدها.
إن هذا الانقلاب في المعايير لم ينشأ من سبب واحد، بل هو ثمرة عوامل متشابكة؛ منها هيمنة النزعة المادية، وتسارع إيقاع الحياة، وتأثير وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وضعف بعض المؤسسات التربوية والثقافية في ترسيخ منظومة القيم، فضلًا عن تقديم نماذج غير جديرة بالاقتداء بوصفها رموزًا للنجاح.
غير أن الأمل يبقى قائمًا ما دام هناك من يتمسك بالمبدأ، لأن القيم لا تموت بضجيج الباطل، وإنما تضعف حين يصمت أصحابها. وكل مجتمع يعيد الاعتبار للصدق، والعدل، والأمانة، واحترام القانون، إنما يؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية.
فالخطر الحقيقي ليس أن يخطئ الإنسان، وإنما أن يفقد القدرة على الاعتراف بأن الخطأ خطأ، وأن يتحول تبريره إلى ثقافة، والدفاع عنه إلى فضيلة، حتى يصبح صاحب المبدأ غريبًا في وطن القيم. وعندما تبلغ المجتمعات هذه المرحلة، فإنها لا تكون بحاجة إلى مزيد من القوانين بقدر حاجتها إلى يقظة ضمير، وإلى تربية تعيد للألفاظ معانيها، وللقيم مكانتها، وللحق هيبته




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق