2026-07-08

أنا كما أنا

 


د. محمد الشافعي

الصراحة... حين تصبح تهمة

لعل من أكثر الصفات التي يراها بعض المحيطين بي عيبًا شدة الوضوح والصراحة. وكثيرًا ما سمعت من يصفني بأنني لا أجيد المجاملة، أو أنني أقول ما أراه حقًا دون مواربة. والحقيقة أنني لا أرى في ذلك عيبًا، بل أعدّه من القيم التي أتمسك بها وأعتز بها.

فأنا أكره الكذب، وأنفر من النفاق، ولا أطيق العلاقات التي تُبنى على الأقنعة والمجاملات الزائفة. وأؤمن بأن الوضوح والشفافية يختصران كثيرًا من سوء الفهم، ويؤسسان لعلاقات يسودها الصدق والاحترام. ولذلك يثير دهشتي أن تُدان الصراحة، بينما يُصفق أحيانًا للنفاق إذا جاء في ثوب اللباقة.

ولن أكون يومًا إلا أنا، مهما كانت الكلفة. فلا أملك أن أرتدي شخصية لا تشبهني، ولا أن أتحدث بلسان لا يعبر عن قناعتي، ولا أن أبيع راحتي الداخلية في سبيل رضا الآخرين. ومن أراد علاقة تقوم على الزيف، فلن يجد عندي ما يبحث عنه، لأن الصدق عندي مبدأ لا وسيلة، وقيمة لا تُساوَم.

غير أن الصراحة التي أدافع عنها ليست فظاظة، ولا قسوة، ولا استعلاء على الناس. فهي لا تُلقي الكلمات كالحجارة، ولا تتخذ من الحقيقة سلاحًا للإيذاء. بل أحاول دائمًا أن أقدم رأيي في إطار من الرفق واللين، وأن أختار للكلمة الصادقة أسلوبًا كريمًا يحفظ للآخر كرامته، ويصون ما بيننا من ود واحترام.

فإن ضاق أحدهم بهذا الوضوح، ورأى أن الصدق لا يناسبه، فليكن الرحيل في هدوء، دون ضغينة أو خصومة. فليست كل الطرق خُلقت لتلتقي، وليست كل القلوب خُلقت لتتوافق.

وسأظل كما أنا؛ واضحًا لا مُداهن، صريحًا لا جارحًا، صادقًا لا منافقًا. فإن خسرت بعض العلاقات بسبب ذلك، فقد ربحت نفسي، وربحت راحة ضميري. وما أكثر العلاقات التي يُطيلها النفاق، وما أقلها بركة، وما أجمل العلاقات التي يقصرها الصدق، لكنها تبقى نقيةً في الذاكرة، عزيزةً في النفس.

وسلامٌ على كل قلبٍ أحب الحقيقة، ولو كانت مُرة، وآثر الصدق، ولو كان ثمنه الرحيل.

ليست هناك تعليقات: