2026-07-12

بقايا إنسان

 


 

دكتور محمد الشافعي 

الموت على قيد الحياة

ليس كل من يمشي في الطرقات حيًّا بكل ما في الكلمة من معنى، فثمّة أناس غادرت أرواحهم أفراحها منذ زمن، ولم يبقَ منها إلا أجساد تؤدي واجبات الحياة كما تؤدي الساعة حركتها الصامتة. يبتسمون حين ينبغي أن يبتسموا، ويتحدثون حين يفرض المقام الحديث، ويعودون إلى بيوتهم كل مساء، لكن في أعماقهم فراغٌ لا يملؤه ضجيج المدن، ولا دفء البيوت، ولا كثرة الوجوه. إنهم يعيشون تلك الحالة القاسية التي يمكن وصفها بـ"الموت على قيد الحياة".

إنه شعور بالغ الوجع؛ أن يكون الإنسان حاضرًا بجسده، غائبًا بروحه. يرى العالم بعينيه، لكنه لا يراه بقلبه، ويسمع الأصوات من حوله، لكنها تمر عليه كأنها تأتي من مكان بعيد. يصبح الزمن مجرد أرقام تتعاقب، لا أيامًا تُعاش، وتغدو الحياة سلسلة من الحركات الآلية التي تخلو من الشغف والدهشة. وكأن الروح قد توقفت عند لحظة فقدٍ لم تستطع تجاوزها، أو عند خيبةٍ كسرت شيئًا فيها لم يعد قابلًا للجبر.

وهناك مرحلة أشد قسوة من الحزن ذاته، هي مرحلة "النصف". نصف قلب ينبض لأنه لم يجد مفرًّا من النبض، لكنه لم يعد يعرف الفرح. ونصف روح ما زالت معلقة بين الأمس واليوم، لا هي استطاعت العودة إلى ما كانت عليه، ولا هي امتلكت القدرة على الانطلاق نحو ما سيكون. ونصف حياة يعيشها الإنسان لأنه لا يملك إلا أن يعيش، لا لأنه يجد في الحياة ما يستحق التمسك به.

في تلك المرحلة يفقد كل شيء بريقه. الألوان التي كانت زاهية تصبح باهتة، والضحكات التي كانت تبعث الدفء تتحول إلى أصداء بعيدة، والأماكن التي احتضنت أجمل الذكريات تصبح شاهدة على الغياب أكثر من الحضور. حتى الصباح، الذي اعتاد الناس أن يستقبلوه بوصفه بداية جديدة، يبدو مجرد امتداد لليل طويل لم تنطفئ ظلمته بعد.

والحزن، حين يطول مقامه في القلب، لا يكتفي بإثقال الروح، بل يعيد تشكيل الإنسان من الداخل. يقتصد في مشاعره، ويختصر أحلامه، ويخفض سقف توقعاته، حتى يصبح أقصى ما يتمناه يومًا يمر بلا وجع جديد. لا يعود ينتظر المفاجآت السعيدة، بل يخشى المفاجآت جميعها، لأن الخيبات علمته أن أكثر الأشياء إشراقًا قد تخفي وراءها أكثر الآلام قسوة.

ومع مرور الأيام، يعتاد الإنسان هذا النقص، حتى يكاد ينسى أنه كان يومًا مكتملًا. يتعايش مع أنصاف الأشياء؛ نصف ابتسامة، ونصف حديث، ونصف حضور، ونصف أمل. يعيش بين الناس، لكنه يشعر أنه يقف خلف حاجز زجاجي لا يراه أحد. يراهم يفرحون ويحزنون ويتطلعون إلى الغد، بينما يقف هو متفرجًا على الحياة أكثر منه مشاركًا فيها.

غير أن الإنسان، مهما أثقلته الأحزان، يبقى في أعماقه قبس لا ينطفئ تمامًا. فقد تخبو الأنوار، لكنها لا تزول بالضرورة، وقد يطول الليل، لكنه لا يملك أن يمنع الفجر إلى الأبد. وما دام القلب لا يزال ينبض، فإن داخله قدرة كامنة على أن يلتئم، ولو ببطء، وأن يستعيد شيئًا من ألوانه، ولو بعد زمن طويل.

لذلك فإن أقسى ما يفعله الحزن ليس أنه يجعلنا نبكي، بل إنه يقنعنا بأن البكاء هو الصورة الأخيرة للحياة. والحقيقة أن الروح، مهما أثقلتها الخيبات، خُلقت لتبحث عن نافذة يدخل منها الضوء. قد تتأخر تلك النافذة، وقد تضيق، وقد تأتي بعد سنوات من العتمة، لكنها حين تُفتح تذكّر الإنسان بأنه لم يكن ميتًا، بل كان ينتظر لحظة يعود فيها إلى نفسه، ويسترد قلبه كاملًا، وروحه كاملة، وحياته كما أرادها الله: حياةً تُعاش، لا .مجرد أيام تُعَد.

ليست هناك تعليقات: