2026-03-25

النفس والقلب

 


الأستاذ الدكتور أحمد عيسي استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة 

كتب سيادته هذا البوست علي الفيس بوك

.................

"هو فيه فرق بين النفس والقلب مش منفدين على بعض"

كان هذا تعليق زميلنا د. عماد عجوة Emad Agua على دعاء دعا به أخي بروفسور محمد غنيم ProfMohamed Ghoneim في منشور له قبل بضعة أيام،قائلا: "اللهم إرحم نفسي وقلبي."

والحقيقة إن الفارق كبير جدا بين النفس والقلب، ويستطيع أحد مشايخنا التفرقة أكيد، وأراني، من جهة تخصصي قد أضيف فرقا خطيرا بين النفس والقلب من مفهوم لاهوتيي مصر القديمة، ربما هو الفرق بين "الموت والحياة"، فأحد معاني ال "كا" لدي المصريين القدماء هو "النفس"، إلى جانب معاني أخرى كثيرة جدا؛ منها "القرين" و "القربان" و "الطاقة (طاقة الحياة) و "الشهوة" في النص الذي يخاطب أحد ملوك عن إنجابه لخليفته بالقول: "إنه إبنك الذي أنجبته لك كاهك"، ولعلنا توارثنا حتى الآن جوهر هذه المعاني، حينما نقول: نفسي آكل، نفسي أشرب، نفسي أروح، وهكذا.

ولأن ال "كا"، أو النفس لقب المصريون الكاهن الجنائزي ب "حم-كا"، وهذا المفهوم سماوي أيضا، في مثل قوله تعالى: كل "نفس" ذائقة الموت"، وقوله تعالى: الله يتوفى "الأنفس" حين موتها.

هذا هو رابطة "النفس"، أو "الكا" مع الموت في معتقدات المصريين القدماء، فماذا عن "القلب" الذي أسماه المصريون القدماء بأحد إسمين، هما: "إيب" و "حاتي"، فإنهم قد اعتبروه "منبع الحياة" نفسها، والوعاء الذي يحتوي "جوهرة الروح" ( ال با"، حيث نعرف من قصة الأخوين أن الأخ الأكبر "إنبو" عندما عثر على أخيه المظلوم "باتا"، وجده وقد مات، ويحكي نص القصة أنه عثر على قلب أخيه المتوفي، وقد تصلب بما يشبه حبة "البقول"، فلما أخذ تلك الحبة المتيبسة ووضعها في كأس به ماء، دبت الحياة من جديد وعادت الروح مرة أخرى إلى جسده الميت.

واذا كانت كل كتب الأديان السماوية لم تقل لنا أين تسكن الروح داخل الجسد، فلقد قالها لنا المصري القديم، بعد أن وصلته مؤكد من بينات لإحدى الرسالات السماوية، ولعلها الديانة الإدريسية، التي علمهم نبيها الكريم على الكتابة وصناعة الخبز وحياكة الملابس، كما أخبرهم عن ميزان الأعمال وعن الجنة والنار، وذلك قبل حوالي سبعة آلاف سنة قبل الوقت الحاضر.

ولقد أشار لنا القرآن الكريم بصورة غير مباشرة عن احتواء القلب على الروح، حيث جعل القلب لبا للحياة، وليس مجرد عضلة في الجسم. ومن ذلك قوله تعالى: إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وكذلك قوله تعالى: إلا من أتى الرحمن بقلب سليم.

هذا والله أعلى وأعلم

تعقيب علي مقال دكتور محمد الشافعي

 


مهندس عاصم شاكر 

تعليقا علي مقال الدكتور محمد الشافعي بعنوان "من يغادرني لا يعود: 

أود أن احييه علي هذا المقال وأعلن اتفاقي مع سيارته علي هذا المبدأ.  ولن ازايد علي ما ذكره سيارته ولكن فقط أعرض رؤيتي وتجربتي في هذا السياق.

..........

من يغادرني لا يعود ليست عبارة قاسية كما قد يظن البعض، بل هي خلاصة تجربةٍ طويلة مع الناس والحياة. فهناك فرق كبير بين من يضطره الظرف إلى البعد، وبين من يختار الرحيل بإرادته، ويقرر أن يخرج من دائرة القرب دون اكتراثٍ لما يتركه خلفه من أثر.

من يغادر بإرادته يكون قد حسم أمره، ورتّب أولوياته، وحدد مكانه في حياة الآخرين، ولذلك فإن عودته بعد ذلك لا تكون عودة بريئة، بل تكون محاولة للرجوع إلى شيءٍ تركه بنفسه. وهنا يظهر معنى المبدأ: ليس رفضًا للأشخاص، بل احترامٌ للنفس، لأن العلاقات لا تقوم على الحضور المؤقت والغياب المتكرر، وإنما تقوم على الثبات والوفاء والوضوح.

الحياة تعلّم الإنسان أن الباب الذي يُفتح لكل من يغادر، يتحول مع الوقت إلى بابٍ بلا قيمة، وأن القلب الذي يقبل العودة بعد كل رحيل، يصبح ساحةً للتجربة لا موطنًا للاستقرار. لذلك يصبح الحسم ضرورة، لا قسوة، ويصبح الغلق النهائي حماية، لا انتقامًا.

ومن يغادر مرة، يعتاد الرحيل، لأن الرحيل في جوهره سلوك، والسلوك إذا تكرر صار طبعًا. أما من يبقى رغم كل شيء، فهو الذي يستحق أن يبقى في الدائرة، لأن البقاء في زمن التبدل موقف، والوفاء في زمن التقلب قيمة نادرة.

إن مبدأ "من يغادرني لا يعود" هو إعلان هدوءٍ داخلي، لا إعلان حرب؛ هو قرار بأن العلاقات يجب أن تكون واضحة، وأن القرب لا يُمنح مرتين لمن أهدره مرة، وأن الكرامة لا تقبل التجزئة. فليس كل من يعود يُستقبل، وليس كل من يطرق الباب يُفتح له، لأن بعض الأبواب إذا أُغلقت، أُغلقت احترامًا للنفس لا كراهيةً للآخر.

وفي النهاية، يبقى المعنى الأعمق هو أن الإنسان لا يمنع أحدًا من الرحيل، لكنه أيضًا لا يمنح أحدًا حق العودة بعد أن اختار المغادرة. فمن أراد القرب فليبقَ، ومن أراد البعد فليمضِ في طريقه، أما الرجوع بعد الاختيار فليس دائمًا ممكنًا، لأن بعض القرارات تُكتب مرة واحدة… ولا تُمحى.


من يغادرني لا يعود

 


دكتور محمد الشافعي 

خسارتي سهلة… لكن رجعتي مستحيلة

ليست كل الخسارات موجعة، فبعضها يكون ضرورة من ضرورات الكرامة، وشرطًا من شروط الاتزان النفسي. هناك أشخاص يظنون أن الرحيل لعبة يمكن الرجوع عنها متى شاءوا، وأن الأبواب التي تُترك مفتوحة مرة ستظل كذلك إلى الأبد، لكن الحقيقة أن بعض القلوب إذا أُغلقت، أُغلقت إلى غير رجعة، لا عن قسوة، بل عن وعيٍ وتجربةٍ واحترامٍ للذات.

إن عبارة "خسارتي سهلة لكن رجعتي مستحيلة" لا تعني التكبر أو التعالي، بل تعني أن الإنسان يمنح فرصته كاملة، ويعطي من الصدق والوفاء ما يكفي ليحفظ العلاقات من الانكسار. فإذا اختار الآخر الرحيل، فقد اختار مصيره بيده، لأن الرحيل في جوهره قرار، والقرار يتحمل صاحبه نتائجه. فليس من العدل أن يغادر الإنسان حين يشاء، ثم يعود حين يشتاق، وكأن القلوب محطات انتظار، وكأن المشاعر لا تتألم ولا تتغير.

الإنسان الذي يؤمن بهذا المبدأ لا يكره أحدًا، ولا يحمل ضغينة في صدره، لكنه يعرف جيدًا أن الكرامة لا تُجزأ، وأن العلاقات التي تُهدم مرة بوعيٍ وإصرار، يصعب أن تعود إلى نقائها الأول. فالعودة بعد الرحيل ليست مجرد خطوة، بل هي محاولة لإعادة زمنٍ مضى، وثقةٍ انكسرت، وشعورٍ تبدد، وهذه أشياء لا تُستعاد بسهولة، بل قد لا تُستعاد أبدًا.

ومن هنا يصبح الرحيل اختبارًا حقيقيًا للعلاقات؛ فمن بقي رغم الظروف فهو الأصدق، ومن غادر فقد أعلن اختياره بوضوح، ومن اختار البعد فقد قبل ضمنًا أن يكون خارج الدائرة إلى الأبد. ليست المسألة عنادًا، بل هي حفاظ على النفس من التكرار، ومن إعادة نفس الألم، ومن الوقوع في نفس الخطأ مرتين.

إن الحياة تعلّم الإنسان أن بعض الأبواب يجب أن تُغلق نهائيًا، ليس لأن من خلفها أشرار، ولكن لأن العودة إليها تعني خسارة النفس مرة أخرى. والإنسان الذي يحترم ذاته لا يسمح لنفسه أن يكون خيارًا مؤقتًا في حياة أحد، ولا يقبل أن يكون محطة عبور، بل يكون حضورًا ثابتًا أو غيابًا نهائيًا.

لذلك فإن خسارته قد تبدو سهلة في البداية، لأن الصمت لا يصرخ، والانسحاب لا يُحدث ضجيجًا، لكن رجعته مستحيلة، لأن ما يُكسر في الداخل لا يُصلحه الاعتذار المتأخر، وما يُهدم بالاختيار لا يُبنى بالحنين.

وفي النهاية، يبقى هذا المبدأ ليس إعلان قطيعة، بل إعلان احترام:

احترام للنفس، واحترام للوقت، واحترام للمشاعر التي لا تُمنح إلا لمن يعرف قيمتها.

فمن يغادر مرة، يختار طريقه… ومن اختار طريقه، لا يعود إلى الطريق الذي تركه بإرادته.


2026-03-22

عمق الوجود

 


دكتور محمد العوادي 

الملح لا يُلتفت إليه حين يكون حاضرًا في الطعام، ولا يتوقف أحد عند ذكر فضله أو الإشادة بقيمته، لأنه يؤدي دوره في صمت، ممتزجًا ببقية المكونات، متواريًا خلف النكهة العامة التي يصنعها. لكنه، على الرغم من هذا التواري، يظل عنصرًا لا غنى عنه؛ فبمجرد غيابه ينكشف الخلل، ويظهر النقص، ويتحول الطعام كله إلى شيء فاقد للطعم والروح. هنا فقط يدرك الناس أن ما لم يُمدَح يومًا كان في الحقيقة سرّ الاتزان وسبب الاكتمال.

وهكذا هي بعض الأدوار في الحياة؛ أدوار هادئة لا تصنع ضجيجًا، وأشخاص يعملون في صمت، ويؤدون واجبهم دون انتظار كلمة شكر أو نظرة تقدير. يمر وجودهم كأنه أمر طبيعي، ويُظن أن الحياة تسير من تلقاء نفسها، بينما الحقيقة أن توازنها قائم على حضورهم الخفي وعطائهم المستمر. لا يطالبون بالتصفيق، ولا يقفون في طوابير الثناء، بل يكتفون بأن يؤدوا ما عليهم بصدق وإخلاص، كأنهم الملح الذي يذوب ليمنح غيره النكهة.

القيمة الحقيقية لا تُقاس بكمية المديح الذي يُقال، ولا بعدد الكلمات التي تُكتب في حق الإنسان، بل تُقاس بمدى تأثيره حين يغيب. فهناك من تملأ أسماؤهم المجالس، ولكن غيابهم لا يترك أثرًا، وهناك من يمرون في هدوء، لكن رحيلهم يكشف حجم الفراغ الذي كانوا يملؤونه دون أن يشعر أحد. عندها فقط يُدرك الناس أن البساطة التي اعتادوها كانت نعمة، وأن الوجود الهادئ كان ركيزة من ركائز الاستقرار.

العمل الجيد لا يحتاج إلى إعلان، والنية الصادقة لا تبحث عن شهرة، والإنسان الذي يخلص فيما يفعل يزرع أثره دون أن يشعر. قد لا يسمع كلمات المديح في حياته، وقد لا يُشار إليه بالبنان، لكنه يظل حاضرًا في التفاصيل الصغيرة التي يصنعها كل يوم، وفي الراحة التي يتركها في قلوب من حوله. وحين يغيب، تبدأ المقارنة بين زمن حضوره وزمن غيابه، فيتضح الفرق بين الامتلاء والفراغ.

ليس المطلوب من الإنسان أن يكون مركز الضوء، ولا أن يرهق نفسه في طلب التقدير، بل أن يكون نافعًا حيث وُضع، صادقًا فيما يؤديه، ثابتًا على جودة ما يصنعه. فالقيمة التي تبقى ليست ما يُقال، بل ما يُشعر به الآخرون حين يختفي ذلك الحضور الصامت. عندها يتحول الصمت الذي كان يحيط به إلى شهادة تقدير حقيقية، ويصبح الغياب أبلغ من كل كلمات المديح.

ومن هنا تتجلى الحكمة: أن يكون المرء جيدًا فيما يفعل دون انتظار مقابل، وأن يترك أثره في هدوء، لأن الحياة كثيرًا ما تكشف قيمة الأشياء بعد غيابها، كما تكشف قيمة الملح حين يُفقد من الطعام. فمن أحسن عمله في صمت، عاش كريم الأثر، وبقيت قيمته حاضرة في القلوب، ولو لم تُذكر على الألسنة.

2026-03-21

فرعون الخروج

 


الأستاذ الدكتور أحمد عيسي

 استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة

.......

هذا رأي أستاذنا الدكتور أحمد عيسي في مسألة فرعون الخروج..وهو هنا يناقش ويقدم الحجة والبرهان علي رأيه. 

كل التحية والتقدير والاحترام لسيارته وربنا يبارك في عمله.

.....

هل عاش سيدنا يوسف على زمن الهكسوس، للإجابة على ذلك نجد لدينا عدة شواهد؛ من اين نبدأ؟:

ا- وجدت ضمن آثار الهكسوس جعارين كتب عليها إسم "يعقوب". ب- تحدث القرآن عن "عزيز" مصر واللقب لحاكم قبلي وعشائري واختفت هذه الصبغة من الحكم في مصر منذ نقادة الأولى ٣٧٠٠- ٣٥٠٠ ق.م.

ج- النسخة الرئيسية من التوراة تتحدث عن ان بني إسرائيل قضوا في مصر ٤٣٠ سنة في أرض جاسان(الإسماعيلية حاليا)، بينما النسخة السبتاجونية تخفض هذه المدة إلى النصف (أي ٢١٥ عاما) ولو أخذنا بهذا الطرح الأخير لوجدنا أنفسنا بين عهدي تحوتمس الثالث أسد الامبراطورية المصرية وولده أمنحوتب الثاني النمر الجبار الذي كان يسلخ جلود أمراء المدن العاصية ضمن أرجاء الامبراطورية وهم أحياء وطبعا لم تكن تستطيع نملة واحدا، وليس الآلاف من بني اسرائيل، اختراق الحدود المصرية دخولا أو خروجا في هذه الفترة.

د- بينما لو أخذنا بنص التوراه الأصلي لوجدنا أنفسنا في زمن رمسيس الثاني مباشرة.

ه- ولو عدنا لأول واخر ذكر لكلمة "إسرائيل " في المصادر المصرية القديمة، ومعناها "جندي الرب/ أو محارب الله" وهي كنية نبي الله يعقوب عليه السلام وذلك في اللوحة الشهيرة المعروفة بلوحة إسرائيل في المتحف المصري بالتحرير لوجدنا مرنبتاح يتحدث عن حملة تأديبية على القبائل السامية الموجودة على حدود مصر الشرقية وضمنها بنو إسرائيل.

و- كانت بنو إسرائيل آنذاك في حال شديد من الضعف بعد أن قضى عليهم ربنا سبحانه وتعالى بالتيه ٤٠ عاما بعد خروجهم من مصر بسبب عبادتهم العجل وفي هذه الفترة توفي هارون، ومن بعده موسى عليهما السلام. 

ز- وهكذا كان خروج بني إسرائيل من سيناء في اتجاه الأرض المقدسة تحت قيادة "يوشع بن نون" تابع موسى عليه السلام الذي ورد ذكره في سورة الكهف. 

ح- بالحساب وتنزيل فترة ال ٤٣٠ سنة من زمن لوحة مرنبتاح نجد أنفسنا في صلب فترة الهكسوس. 

ط- عندما اريد احتجاز بنيامين شقيق يوسف أحتيل رجال يوسف عليه السلام بحيلة "صواع" ( اي كأس الشراب) (دوما ذكر الملك وليس الفرعون ولا حتى لو مرة واحدة ) وجاء الحديث عن "دين الملك" اي القانون (الثابت والمكتوب ) ونلاحظ فيه التمسك بعقاب "نفس الشخص" اي العين بالعين وهو المبدأ الرئيسي في قوانين الساميين في جنوب غربي آسيا بينما الأعراف والتقاليد القانونية والمجتمعية لدى المصريين القدماء كان لها شان آخر. 

ك- عندما وضحت إدانة زوجة العزيز في تهمة محاولة "الزنا" يقال لها "استغفري لذنبك" وهذا ليس شأن مصري قديم بالمرة فالمرأة التي تدان بمجرد شبهة الزنا في مصر القديمة كان لها عقاب واحد هو ان تلقى فريسة للتمساح بل لقد هدد "حورس" نفسه أمه "ايزيس" العفيفة في موقف تفصيلي من الاسطورة بأنها إذا ساندت غريمه "ست" فسوف يقول عنها ما يتسبب في إلقائها للتمساح.

ل- كذلك لا ننسى أن عزيز مصر الذي اشترى يوسف الطفل وتبناه وهو غلام يرتدي أسمال الساميين ويتحدث لغتهم، وأن يوسف قد قص عليه عن أصله وقصته مع إخوته (كما ورد في القرآن الكريم) لا بد وأن ذلك كان بلغة كنعانية يفهمها الإثنان فلم يكن يوسف قد تعلم اللغة المصرية القديمة بعد.

م- إذن فإننا بالحساب الزمني نجد حادثة الخروج مستحقة أن تكون على زمن رمسيس الثاني لقرائن عديدة، نرد على بعض من يرفضون ذلك فيما يلي:

١- تتجلي قدرة الله سبحانه وتعالى في حمايته لموسى وهارون بين يدي فرعون، حين أظهر موسى تخوفه وأخيه من بطش فرعون بهما بمجرد أن كلفه ربه بالرسالة وأرسله إلى فرعون فلقد ورد في القرآن الكريم " أنهم لن يصلوا اليكما" وهكذا نجد الصدى والمفعول الرباني الرهيب لهذا الوعد الكريم من الله أن فرعون المتجبر، الذي كان يستطيع منذ بدء قصته مع الأخوين النبيين أن يأمر بقتلهما منذ اللحظة الأولى، فبجوار كرسي عرشه في قاعة حكمة توجد "المقصلة" (علامة "شمس" بكسر الشين والميم- لواء الربة المصرية العنيفة "مافدت"، والتي اخترعها ووضعها الوزير العبقري الأول "حماكا" بجوار عرش مليكه "دن/ اوديمو" رابع ملوك الأسرة الأولى (سابقا بذلك الوزير العبقري الثاني "كانفر" وزير الملك خع سخموي، والوزير العبقري الثالث "إيمحوتب" (إبن كانفر هذا)، وذلك بعد أن صمم حماكا لملكه دن لأول مرة التاج المزدوج "سخمتي" الذي يجمع بين التاجين الأبيض والأحمر وألبسه إياه، وهكذا تتجلي الحماية الربانية لموسى وأخيه عليهما السلام، في أن ذلك الفرعون المتجبر لم يكن يجروء أن يتلفظ مجرد لفظة باعدامهما وهما من تحدياه مرات عديدة، فإذا به يستنجد بحاشيته لكي يرجعوه على إصدار هذا الأمر، الذي لجم الله لسانه عنه فيقول لأتباعه، حسب النص القرآني الشريف، "ذروني أقتل موسى وليدعو ربه"، وهي نفس قدرة الحماية الخارقة للرب الوهاب مسبب الأسباب، حين حمى إبراهيم عليه السلام من النار التي كان يمكن أن تلتهمه في لحظة واحدة.

٢- من يقولون إن رمسيس الثاني كان لديه "أولاد" كثر، وهذه حقيقة ولكنه كان له "زوجات" كثر أيضا، وكانت إحداهن لا تنجب وهي من شفقت على موسى الطفل ورغبت إليه بأن تتبناه.

٣- مسألة أن رمسيس الثاني مات في التسعين أو تعداها، فكيف يركب عجلة حربية ليلاحق موسى وبني إسرائيل، والجواب يفهم من القرآن الكريم، أن الفرعون استهان بالقوم واعتبرهم "شرزمة" من العبيد يسهل اللحاق والبطش بهم وإعادتهم إلى مصر مرة أخرى، وننظر هنا مرة أخرى إلى الحديث القرآني المحكم الدقيق ، حيث يشير النص الكريم إلى أن الخروج كان ليلا وفي السر (إستخدام الفعل "سرى" بفتح السين والراء، بمعنى "المسير ليلا"، كما أن الفرعون لم يلحقهم بجيش أو كتيبة مقاتلة، حيث أن الخبر وصله ليلا فأرداد التصرف بسرعة ولم يكن هناك وقت لاستدعاء فرقة كبيرة من الجيش، حيث يشير القرآن الكريم إلى أنه قد تبعهم "بجنده" (وليس بجيشه) وهو لفظ يشير إلى جنود حجابته وحراس قصره المقربين، وعددهم لم يكن، والله أعلم، يزيد عن الألف أو نحو ذلك، وهو قد صحبهم - غالبا راكبا محفته المحمولة أو عربة السفر الملكية المغلقة التي تجرها الخيول، لاسيما وان المسافة لم تكن بعيدة بين مقر إقامته في شرق الدلتا وروافد خليج السويس القديمة حيث تمت حادثة الخروج.

هي مجرد اجتهادات لعبد ضعيف، ومقاربات، زمنية واستشرافات تسترشد بأحدث تاريخية، مع وضع المصدر الأعظم كتاب الله الكريم، وبعض لمحات السنة المطهرة مواضعها الصحيحة كمصادر "تاريخية" وثيقة وصادقة، وإن أعجب ذلك البعض وأغضب البعض الآخر.

والله أعلى وأعلم. 

البقرات السبع


 

دكتورة هند إسماعيل 

ـ البقرات السبع والثور المتواجدين في الفصل 148 من كتاب الخروج للنهار.


الترجمة هنبدا من اعلي من اليمين لليسار بالترتيب ثم لأسفل. 


1. حوت كاو نبت ارجر .

قلعة الطعام ( قلعة القراءن. هيكل محراب ) سيدة الجميع. 


2. إمن اتي خنتي ست اس (ت). 

القادمة من الغرب ( عالم الموتي ) السيدة في مكانها .


3. اخ بيت ساح نتر .

القادمة من خمنيس النترة الشريفة .


4. شني( ت ) بت وثست نترو .

غيوم السماء التي توحد ( ترفع ) النترو .


5. غنمت عنخ ان وننيت. 

المتحدة مع الحياة مطلية الرموش. 


6. ورت مروت اس دشرت شني. 

عظيمة الحب حمراء الشعر .


7. سخمت ام رن ست إم امنتي .

القوية باسمها في الغرب .


ـ الثور.


كا ثاي خنتي حري اب حوت دشر. 

الثور الزوج الذي يتوسط القلعة الحمراء.     

          


أسفل ( المجاديف وهي إشارة إلى الاتجاهات الأربع. ) من اليمين. 


1. سخم نفر حمي نفر ان بت محت. 

القوي الطيب البحار ( قاءد المركب .قاءد الدفة ) الطيب في السماء الشمالية .


2.حمي نفر ان بت يابت ( ت ) بغر سنم تاوي .

البحارالطيب في السماء الشرقية الذي يجول يطعم الارضين .


3. حمي نفر ان بت رسوت. 

البحارالطيب في السماء الجنوبية .


4.حمي نفر ان بت امنتت .

البحارالطيب في السماء الغربية .

2026-03-20

عيد مبارك عليكم

 


اللهم اجعل هذا العيد بدايه الجبر والعوض لقلوبنا، واجعله بداية خير وبشرنا فيه بما يسرنا، اللهم اجعله عيداً مليئًا بالأفراح والتوفيق ، اللهم اجعله عيد تحقق فيه كل الأمنيات، اللهم إنا ننتظر منك فرحة تغير مجرى أيامنا فبشرنا بها يا كريم.

2026-03-19

الخس




 

دكتور يوسف محمد 

الخس من الخضروات الورقية الخفيفة والمفيدة جدًا، وغالبًا يُؤكل طازجًا في السلطة أو الساندوتشات.


أهم فوائده

  • مرطب للجسم: لأنه غني بالماء، يساعد على ترطيب الجسم خاصة في الجو الحار.
  • مهدئ للأعصاب: يحتوي على مواد تساعد على الاسترخاء وتحسين النوم.
  • مفيد للهضم: غني بالألياف، فيساعد على تنظيم حركة الأمعاء.
  • قليل السعرات: مناسب جدًا للرجيم وإنقاص الوزن.
  • غني بالفيتامينات: مثل فيتامين A وK، المهمين للنظر وصحة العظام.


ملاحظات

  • يُفضل غسله جيدًا لأنه قد يحمل بقايا تربة أو مبيدات.
  • تناوله بكميات معتدلة أفضل، خاصة لمن يعاني من انخفاض ضغط الدم.

30 رمضان



 

30 رمضان 

نستودعك يا الله دعوات رجوناها طوال شهرك المبارك، ونستودعك أحلامنا وآمالنا أن تحققها لنا وحياتنا أن تجعل فيها ما هو خير لنا ونستودعك يا الله سجودنا اللهم أجعل آخر ليلة في رمضان هي بداية حياة جديدة لنا ونهاية لأحزاننا وهداية لطريقنا وعوض لخيباتنا يالطيف.

2026-03-18

فخ الأفضل

 


دكتور محمد العوادي 

في زمنٍ تتسارع فيه المقارنات، وتُفتح فيه أبواب الاختيار على مصاريعها، يقع الإنسان في فخٍّ خفيٍّ اسمه “وهم الأفضل”. يظنّ أن السعادة كامنة هناك، في ذلك الخيار الذي يبدو أكثر بريقًا، أو أكثر كمالًا، أو أكثر جذبًا للأنظار. فيركض، ويُجهد نفسه، ويبدّد طاقته، ظنًّا منه أنه إن بلغ “الأحسن” فقد أدرك الغاية وانتهى السعي.

غير أن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون، أن “الأحسن” مفهومٌ زئبقيّ لا يستقرّ على حال؛ فما تراه اليوم قمّةً، قد يبدو غدًا عاديًّا، وما تظنّه نهاية المطاف، قد يظهر بعده ما هو أرفع وأكمل. وهكذا يدخل الإنسان في دوّامة لا تنتهي من المقارنة والقلق، فيفقد لذّة الحاضر، ويُضيّع فرصة الطمأنينة.

إن السعي الدائم وراء “الأحسن” لا يصنع بالضرورة حياةً أفضل، بل قد يزرع في النفس قلقًا دائمًا، وشعورًا خفيًّا بالنقص، وكأن ما بين يديك لا يكفي، أو لا يرقى لما تستحق. وهنا تكمن المفارقة: كلما اقتربت من “الأفضل”، ازداد شعورك بأن هناك ما هو أفضل منه، فتظلّ أسير هذا السباق الذي لا خطّ نهاية له.

أما “الأنسب”، فهو اختيار مختلف في جوهره. ليس هو الأكثر لمعانًا، ولا الأعلى شأنًا في أعين الناس، بل هو ما يوافقك، ويشبهك، وينسجم مع طبيعتك وظروفك. هو ما يمنحك سكينة داخلية لا تُقاس بالمقاييس الظاهرة، بل تُدركها النفس في هدوءها واطمئنانها.

الأنسب هو ما تشعر معه أنك لست مضطرًا للتكلّف أو التزيّف، ما يتيح لك أن تكون على سجيتك دون خوف أو ضغط. هو الذي يوفّر لك بيئة من الراحة النفسية، ويمنحك إحساسًا بالأمان، ذلك الأمان الذي لا يُشترى، ولا يُقارن، ولا يُعوّض.

وفي العلاقات، كما في العمل، كما في اختيارات الحياة الكبرى، قد يكون “الأحسن” أكثر إثارة في البداية، لكنه ليس بالضرورة أكثر ثباتًا أو عمقًا. بينما “الأنسب” قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره استقرارًا طويل الأمد، وراحة لا تعادلها مكاسب ظاهرية.

إن الحكمة ليست في أن نصل إلى أعلى ما يمكن، بل في أن نصل إلى ما يناسبنا حقًا. فالحياة ليست سباقًا نحو القمم بقدر ما هي رحلة بحث عن التوازن. والتوازن لا يتحقق إلا حين نختار ما يوافق أرواحنا، لا ما يُبهر أعين الآخرين.

فلا تُرهق نفسك بمطاردة سراب “الأحسن”، ولا تجعل المقارنة تحجب عنك نعمة الرضا. اختر “الأنسب”، لأن فيه غالبًا ما تبحث عنه حقًا: راحة لا تُكلّفك، واستقرار لا يُقلقك، وأمان يُشعرك أنك وصلت، لا أنك ما زلت في الطريق.

النسيان الواجب

 


دكتور محمد الشافعي 

اللي غيابه مقصود نسيانه واجب

ليست كل الغيابات سواء؛ فهناك غياب تفرضه الظروف، وآخر تمليه الأقدار، وثالثٌ يختاره الإنسان عن وعيٍ وإرادة. وهذا الأخير هو أخطرها وأوضحها دلالة، لأنه لا يأتي صدفة ولا يقع سهوًا، بل يُرتَّب له في صمت، ويُمارَس بإصرار. ومن هنا كانت العبارة: "اللي غيابه مقصود نسيانه واجب" تعبيرًا مكثفًا عن موقفٍ نفسي وأخلاقي، لا عن مجرد رد فعل عابر.

فالإنسان الذي يختار أن يغيب، إنما يختار في الحقيقة أن يُقصي نفسه من حياتك. لا ينسحب ليلتقط أنفاسه، ولا يبتعد ليعيد ترتيب أوراقه، بل ينسحب ليُعلن – دون كلمات – أنه لم يعد يرى في القرب قيمة، ولا في التواصل ضرورة. وهذا النوع من الغياب لا يحتاج إلى تفسير، لأن تكراره كفيل بأن يكون تفسيرًا بحد ذاته.

والمشكلة ليست في الغياب ذاته، بل في إصرار البعض على تأويله حسنًا، والتماس الأعذار له، والتمسك بخيوطٍ واهية من الذكريات. هنا يتحول الإنسان من طرفٍ متأذٍ إلى شريكٍ في إيذاء نفسه، حين يُصر على انتظار من قرر أن لا يأتي، وعلى التعلق بمن حسم أمره بالرحيل.

إن النسيان في هذه الحالة ليس خيانة للذكريات، بل وفاء للنفس. هو فعل مقاومة ضد الاستنزاف العاطفي، وقرار واعٍ بقطع طريقٍ لا يؤدي إلا إلى الخيبة. فكما أن للحضور قيمة، فإن للغياب رسالة، ومن لم يفهم الرسالة، سيظل أسيرًا لوهمٍ لا ينتهي.

والحقيقة أن الكرامة الإنسانية لا تحتمل هذا النوع من العلاقات المختلة؛ حيث يبذل طرفٌ كل شيء، بينما يختار الآخر الغياب ببرود. لذا، فإن النسيان هنا ليس خيارًا عاطفيًا فقط، بل ضرورة أخلاقية تحفظ للإنسان توازنه، وتعيد إليه اعتباره.

في النهاية، ليس كل من غاب يُنسى، ولكن من تعمد الغياب، وأسرف فيه، وأغلق أبواب الوصل بإرادته، فقد كتب بنفسه نهاية حضوره. وعندها، يصبح النسيان ليس قسوة، بل عدلًا.

2026-03-17

29 رمضان

 


٢٩ رمضان 

اخر ليله وتريه كان الرسول يودع رمضان بقوله

اللهم لا تجعله آخر العهد من صيامنا إياه،فإن جعلته فأجعلني مرحوماً ولا تجعلني محروماً،الحمدلله على التمام،الحمدلله على البلاغ الحمدلله على الصيام والقيام،اللهم اجعلنا ممن صام الشهر ايمانا و احتسابا وادرك ليلة القدر وفاز بالآجر

نصيحة


 

مهندس عاصم شاكر 

ليست كل النصائح تُؤخذ على ظاهرها، ولا كل التجارب تُعمَّم على واقعٍ كامل. فالعبارة التي تُصوِّر الأرياف وكأنها مستنقع للحسد والضيق، إنما تعبّر عن تجربةٍ شخصيةٍ ضاقت بها النفس، فعمّمت ضيقها على المكان، وألقت بظلالها على الناس جميعًا.

إن الريف، في جوهره، ليس جغرافيا فحسب، بل هو نمط حياة. هو بساطة العلاقات، وقرب الناس من بعضهم، وانكشاف التفاصيل الصغيرة التي قد لا تُرى في المدن. ومن هنا، قد يشعر البعض أن الخصوصية أقل، وأن العيون أكثر حضورًا، وأن الحديث يدور سريعًا بين الناس. لكن هذه السمات نفسها قد تُقرأ قراءة أخرى: فهي أيضًا تعبير عن ترابط اجتماعي، وعن مجتمع يعرف أفراده بعضهم بعضًا، ويشعرون ببعضهم في الفرح والضيق.


أما الحسد والضيق، فليسا حكرًا على مكان دون آخر. إنهما من طبائع البشر حين تضعف النفوس، ويغيب الرضا. فكما يوجد في الريف من يضيق بغيره، يوجد فيه من يفرح له، ويقف بجانبه، ويُعينه دون مقابل. وكذلك المدينة، رغم اتساعها وضجيجها، لا تخلو من الحسد، لكنها تُخفيه خلف جدران عالية ووجوهٍ عابرة لا تلتقي.

والحقيقة أن الراحة لا تُصنع بالمكان وحده، بل بطريقة النظر إليه. فمن ضاق صدره، ضاق به كل موضع، ومن اتسعت نفسه، وجد في أبسط البيئات سكينة وطمأنينة. فالمدينة قد تمنح حريةً وخصوصية، لكنها قد تسلب الدفء، وتُغرق الإنسان في عزلةٍ وسط الزحام. والريف قد يقيّد بعض المساحات، لكنه يمنح الإنسان جذورًا وشعورًا بالانتماء.

إن التوازن هو الحكمة الغائبة في مثل هذه العبارات. فليس المطلوب أن نهجر الريف أو نقدّس المدينة، بل أن نختار ما يلائم طبائعنا ونفوسنا. فمن وجد راحته في هدوء الريف فليقم فيه، ومن آثر صخب المدينة فليعشها، دون أن يُدين أحدهما الآخر.

وهكذا، تتحول النصيحة من حكمٍ قاسٍ إلى رؤيةٍ أكثر إنصافًا: ليس المكان هو المشكلة، بل الإنسان حين يعجز عن التكيّف، أو حين يُحمّل البيئة ما في نفسه من ضيق.

با شدو

 


كتب الاثري شريف محمود 

«با شدو» يشرب ويتطهر من نهر النيل «حعبي» بس مش الموجود في عالم الاحياء بل إنعكاسه في حقول النعيم «سخت إيارو».

طعام المصري القديم

 


مهندس عاصم عاصم 

كان الخبز الطعام الأساسي عند المصريين القدماء، وكانوا يصنعونه من القمح والشعير.

كما كانوا يتناولون الأسماك والخضروات والبصل ويشربون الجعة المصنوعة من الشعير.

وكان الطعام جزءًا مهمًا من حياتهم اليومية واحتفالاتهم الدينية.

تمثالا ممنون بالاقصر

 


مهندس عاصم شاكر 

مصر البلد الوحيد في العالم الذي له علم عظيم بإسمه ، هو علم المصريات Egyptology ، وهذا ليس من فراغ.

وهذان تمثالان يزن كلٌ منهما 720 طن وبارتفاع 18 متر. وكان أمام الصرح الخاص بالمعبد الجنائزي للملك امنحتب الثالث. بالبر الغربي بطيبة التي هي مدينة الأقصر الحالية.

نُقلت أحجار التمثالين من الجبل الأحمر بالقرب من القاهرة لمسافة 675 كم إلي الاقصر عكس تدفق مياه نهر النيل.

تحليل صورة

 


مهندس عاصم شاكر 

الصورة هنا هادئة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها، ومناسبة جدًا لفكرة المقال السابق نشره تحت عنوان صمت الحقيقة.

الحجران المتراصّان يرمزان إلى الثبات والاتزان الداخلي؛ فهما ثابتان لا يهتزّان بسهولة، كصاحب الحق الذي يعلم يقينًا ما تعرّض له، فلا تزعزعه روايات الآخرين ولا ادعاءاتهم.

أما الريشة البيضاء فوقهما، فهي رمز للنقاء والصدق؛ خفيفة، رقيقة، لا تحمل ثقلًا، لكنها واضحة. كالحقيقة تمامًا: لا تحتاج إلى ضجيج، ولا إلى إثبات متكلّف، بل يكفيها أن تكون صافية.

والأوراق اليابسة حول المشهد توحي بـ زمنٍ مرّ وتجاربٍ سقطت، كأنها بقايا مواقف وأحداث انتهت، لكنها تركت أثرها. هي تمثل الأذى الذي حدث، والذكريات التي لا تختفي بسهولة.

أما الضوء الذهبي الهادئ، فيرمز إلى السكينة بعد الإدراك؛ إلى لحظة فهم أن الحقيقة لا تحتاج إلى صراع دائم، وأن الهدوء أحيانًا أبلغ رد.

الصورة كلها تقول: إن صاحب الحق قد يُؤذى، وقد يُساء فهمه، لكن داخله يظل متوازنًا، نقيًا، هادئًا…

بينما ما حوله من زيفٍ وضجيج، ليس إلا أوراقًا يابسة تسقط مع أول ريح.

احقر الناس

 


دكتور محمد العوادي 

ليس أقسى على النفس من أذى يقع عليها ظلمًا، بل الأشد مرارة أن يتحوّل المؤذي — في لحظة مراوغة — إلى مدّعٍ للبراءة، بل إلى ضحيةٍ مزعومة، كأنما انقلبت الموازين، واختلطت الحدود بين الجاني والمجني عليه. هناك، في تلك اللحظة الفارقة، لا يُجرح الإنسان من الفعل وحده، بل من هذا التزييف الوقح للواقع، حيث يُراد للحق أن يصمت، وللباطل أن يتكلم بلسانٍ واثق.

إن أحقر الناس حقًّا هو ذاك الذي لا يكتفي بإيذائك، بل يسلبك حقك في الشكوى، ويصوّرك — أمام نفسك أو أمام الآخرين — كأنك المعتدي. يمارس اعتداءه أولًا، ثم يلبس قناع المظلومية، فيستدرّ التعاطف، ويُحمّل غيره وزر ما اقترفت يداه. وهذه صورة من صور الخسة المركبة؛ إذ يجتمع فيها الظلم والكذب، ويُضاف إليهما استخفافٌ بعقول الناس ومشاعرهم.

وليس هذا المسلك وليد ضعفٍ عابر، بل هو خلل في الضمير، وفساد في إدراك الحقيقة. فصاحب هذا الطبع لا يرى في الاعتراف شجاعة، ولا في الاعتذار كرامة، بل يراهما تهديدًا لصورته التي يحرص على تلميعها ولو على حساب الحق. لذلك يلوذ بالإنكار، ويستعين بالتشويه، ويقلب الروايات حتى يبدو بريئًا، أو — في أسوأ الأحوال — مظلومًا.

وهنا يقف الإنسان النزيه أمام اختبارٍ عسير: أيدخل في دوامة الجدل، فيستهلك طاقته دفاعًا عن بداهةٍ لا تحتاج إلى برهان؟ أم يلوذ بصمتٍ يليق بوضوح الحق في داخله؟ إن صمت الحقيقة في مثل هذه المواقف ليس عجزًا، بل هو أحيانًا موقفٌ واعٍ، يترفّع عن الانحدار إلى مستوى التزييف. فالحقيقة، وإن سكتت، لا تموت، وإن غابت، لا تُمحى.

غير أن هذا الصمت لا يعني الاستسلام، بل هو ثقةٌ عميقة بأن ما حدث ثابتٌ في ميزان الواقع، لا تغيّره رواية مغلوطة، ولا تمحوه دعوى كاذبة. فالأذى لا يُمحى بإنكاره، والحق لا يُبدَّل بتزيينه، وما يُبنى على الوهم ينهار، ولو بعد حين.

وهكذا، يبقى المؤذي أسيرَ تناقضه، يحمل عبء كذبته فوق أذاه، بينما يمضي صاحب الحق — وإن أثقله الألم — ثابتًا، مستندًا إلى يقينٍ لا يتزعزع. فليس من العدل أن تُقاس الحقيقة بعلوّ الصوت، ولا أن يُحكم عليها بمهارة التمثيل؛ بل تُقاس بصفائها، وبقدرتها على البقاء.

وفي النهاية، قد تصمت الحقيقة، لكن صمتها ليس فراغًا… بل امتلاءٌ بكرامةٍ ترفض أن تنحدر، ويقينٌ ينتظر لحظته ليظهر، فيسقط القناع، وتنكشف الوجوه، ويعود لكلّ ذي حقٍ حقّه.

صمت الحقيقة



مهندس عاصم شاكر 

حين تصمت الكلمات… تنطق الحقائق

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات حتى يكاد الضجيج يبتلع المعنى، تظلّ الحقيقة كيانًا عصيًّا على التزييف، ثابتًا لا يتبدّل، وإن توارى خلف ستار من الزيف المؤقت. فليس كل ما يُقال يُعتدّ به، ولا كل ما يُسمع يُوثق به، إذ كثيرًا ما تُقال الكلمات لتُخفي، لا لتُظهر، ولتُزيّن الباطل في صورة الحق، أو لتؤجل المواجهة مع واقعٍ لا يحتمل المجاملة.

غير أنّ الحقيقة، في جوهرها، لا تحتاج إلى صخبٍ يعلنها، ولا إلى زخرفٍ يجمّلها؛ فهي كالشمس، قد تحجبها غيمة، لكنها لا تنطفئ. تسكن في عمق الوقائع، وتظهر لمن أراد أن يرى بعين البصيرة لا بعين الهوى. قد تُؤخَّر، وقد تُحاصَر، لكنها لا تُهزم، لأن ما بُني على الصدق لا ينهار، وما استند إلى الوهم سرعان ما يتداعى.

ولعلّ أخطر ما يواجه الإنسان ليس الكذب الصريح، بل نصف الحقيقة؛ ذلك القناع الذي يُلبس الزيف ثوب الصدق، فيضلّ السامع، ويحسب أنه قد بلغ الغاية. وهنا تتجلى مسؤولية العقل الواعي، الذي لا يكتفي بالسماع، بل ينقّب، ويفكّك، ويعيد النظر، حتى يبلغ اليقين.

إن الحقيقة لا تُفرض بقوة الصوت، ولا تُستمد من كثرة المؤيدين، بل من صفائها الداخلي واتساقها مع الواقع. هي لا تحتاج إلى من يرفعها، بقدر ما تحتاج إلى من لا يطمسها. ومن أدرك هذه القيمة، أدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الانصراف عن الجدل العقيم حفاظٌ على نقاء الفكرة.

وهكذا، تبقى الحقيقة — مهما تأخر ظهورها — قادرة على أن تفرض حضورها، لا بسطوة، بل بثبات. إنها لا تصرخ، لكنها تُسمِع؛ لا تتزين، لكنها تُقنع؛ لا تلاحق الناس، بل يجدها من يطلبها بإخلاص.

وفي عالمٍ تتبدل فيه الوجوه والعبارات، تظل الحقيقة وحدها، ثابتةً، هادئةً، واثقة… تنتظر من ينصت.

من مواقف سورة يوسف


كلنا نحب سورة يوسف، لكن هل لاحظت أن (القميص) كان هو بطل القصة في أشد ٣ مواقف؟


١- قميص (الغدر):

لما جابوا إخوانه القميص ملطخ بدم كذب.


٢- قميص (البراءة):

لما انشق قميصه من دبر وظهرت براءته.


٣- قميص (الشفاء):

لما أرسله لأبوه {ألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً}.


نفس الأداة اللي بدأت بها مأساة يعقوب، هي اللي أنهت حزنه وردت بصره!


رسالة لك:

نفس الباب اللي جاك منه الوجع، ربي قادر يخليه هو باب الفرج.

في فهم القرآن الكريم



القرآن وضع لنا ٤ (سرعات) دقيقة جداً:

١- للرزق والدنيا قال: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}..

مجرد مشي هادئ ومطمئن لأن الرزق محسوم.


٢- للصلاة قال: {فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ}..

السعي هو المشي باهتمام وهمة وتركيز.


٣- للجنة قال: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ}..

هنا زادت السرعة وبدأ سباق التنافس!


٤- أما للجوء إلى الله قال: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}..

الهروب بأقصى سرعة وبلا التفات!


​مأساتنا الحقيقية أننا أصبنا بالإنهاك والاحتراق النفسي لأننا عكسناها..

صرنا (نفرّ) ونلهث بانقطاع نَفَس خلف رزقٍ كفله الله لنا..

و(نمشي) متثاقلين نحو من بيده مفاتيح هذا الرزق!

من يفر إلى الله   =  تأتيه الدنيا وهي راغمة.

أدعية ليلة القدر




  • اللهم إنّك عفوٌّ كريمٌ تحب العفو فاعفُِ عَنا" وهو الدعاء الذي أوصى به رسول الله عائشة- رضي الله عنها- عندما سألته: «بمَ ندعو الله في ليلة القدر؟»

  • اللهمَّ إن كانت هذه ليلة القدر فاقسم لي فيها خير ما قسمت، واختم لي في قضائك خير ما ختمت، واختم لي بالسعادة فيما ختمت اللهم افتح لي في هذه الليلة باب كل خير فتحته لأحد من خلقك."

  • اللهم سخّر لي الأرض ومن عليها، والسماء ومن فيها، وعبادك الصالحين وكل من ولّيته أمري، وارزقني من حظوظ الدنيا أجملها."

  • اللهم أسعِدنا براحة البال، وجمّلنا بالستر ومتعنا بالصحة، وارزقنا رضاك والجنة."

  • اللهم اجعلنا ممّن تُدركهم الرحمة ثم المغفرة ثم العتق من النار.

  • اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلّها دقّها وجلّها سرّها وعلانيتها أولها وآخرها ما علمنا منها وما لم نعلم."

البردي واللوتس



د.هند إسماعيل 

الفرق بين عمود اللوتس وعمود البردى عشان فى ناس بتتلخبط بينهم

28 رمضان

 


28 رمضان 

"اللَهم اجبر خاطري جبرا أنت وليه.فإنه لايعجزك شيئا في الأرض ولا في السماء،ربِي اشرح صدري وأرح قلبي وأزح من قلبي كل خوف يسكنني وكل ضعف يكسرني وكل أمر يبكيني،ولا تفجعني في مستقبلي ولا في نفسي ولا في باقي أهلي ولا تعسر أمري وافتح لي أبوابي المغلقة

2026-03-16

27 رمضان

 


 27 رمضان

 رابع ليله وتريه لعلها ليله القدر 

اللهم إن كانت هذه الليلة ليلة القدر فأرفع أسمائنا في صحائف العُتقاء من النار ، اللهُم إننا نستودعُك أدعيِة فاضت بها قلوبنا فإستجبها يارحيم ،اللهم أجعلنا من الذين تدبر فرحتهم في السماء الآن و أمانيهم أوشكت أن تكون انك علي كل شئ قدير

2026-03-14

26 رمضان

 


26 رمضان 

"اللهُم هب لي مُلكاً ، و جاهاً ، و هب لي مالاً وافر ، و هب لي تسخيراً ، و هب لي عوناً وقوة ، و هب لي سعادة وما تمنيت و سخر لي الأسباب و الأشخاص و الأماكن ولا تجعلني ضائعة لا أملك جهةٍ ولا بوصلة ، ياربّ دلني ووجهني ، اللهُمَّ دلني إلى من أراد بي الخير و دله عليّ."

25 رمضان



25 رمضان ثالث ليله وتريه

"يارب أدعوك دُعاءً لا أعرف كيف أرتبه، فأنت تُبصر الفؤاد،وتلمس حاجة قلبي بيدك، فاللهم أياما كما أحب،وحالاً إلى ما هو أفضل،وهماً لا يبقى قائماً في صدري، وفرحة ليس لها إنتهاء،اللهم أمنياتي التي أنتظرها، اللهم طوق قلبي بعقودٍ من الرضا والراحة، والفرح"

2026-03-13

24 رمضان

 


٢٤ رمضان 

ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير

ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين

ربّ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين

ربّ إني مغلوب فانتصر

ربّ اشرح لي صدري ويسرلي أمري 

ربّ إني ظلمت نفسي فاغفرلي

ربّ أعوذ بك من همزات الشياطين

ربّ اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء.

ضجيج الدراما

 


مهندس عاصم شاكر 

ضجيج الموسيقى في الدراما: بين الوظيفة الفنية وإرهاق المتلقي

لم تعد متابعة الأعمال الدرامية اليوم تجربة هادئة كما كانت في الماضي؛ فقد بات المشاهد كثيرًا ما يضطر إلى رفع صوت الحوار تارة، وخفض صوت الموسيقى تارة أخرى، وكأن العمل الفني لا يثق في قدرة الصورة والكلمة على التعبير، فيلجأ إلى موسيقى صاخبة تسبق الحوار أو تعلو عليه. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا أصبحت الموسيقى في كثير من الأعمال الدرامية أعلى من الحوار؟ ولماذا يغلب عليها طابع صاخب يرهق الأعصاب بدل أن يهيئها للتلقي؟

في الأصل، لم تُخلق الموسيقى في الدراما لتنافس الحوار، بل لتخدمه. فالموسيقى التصويرية عنصر فني وظيفته تعميق الإحساس بالمشهد، وإيصال الحالة النفسية للشخصيات، وتهيئة المتلقي عاطفيًا لما يراه. غير أن هذه الوظيفة الدقيقة تحولت في كثير من الأعمال الحديثة إلى حضور طاغٍ يكاد يبتلع المشهد بدل أن يكمّله.

يرجع ذلك إلى عدة أسباب. أولها ضعف المعالجة الدرامية في بعض الأعمال؛ فعندما يكون المشهد فقيرًا في البناء أو الأداء، يُستعان بالموسيقى الصاخبة لتعويض هذا الضعف وإثارة انفعال المشاهد قسرًا. فبدل أن يصل الإحساس عبر التمثيل والحوار، تُفرض العاطفة على المتلقي عبر موجات صوتية مرتفعة تحاول أن تقول له: “اشعر بالحزن الآن” أو “استعد للتوتر”.

وثانيها تغيّر الذوق الإنتاجي في عصر السرعة. فالمخرجون والمونتيرون باتوا يخاطبون مشاهدًا يعتقدون أنه سريع الملل، فيلجأون إلى الإيقاع العالي والمؤثرات الصوتية الكثيفة لإبقائه مشدودًا. لكن هذا الأسلوب، وإن بدا فعالًا في لحظته، يؤدي في النهاية إلى إرهاق الأعصاب وإفساد متعة المشاهدة.

وثالثها الجانب التقني؛ فكثير من الأعمال تُخلط أصواتها في الاستوديوهات بطريقة غير متوازنة، حيث تُرفع طبقة الموسيقى والمؤثرات أكثر من اللازم، خصوصًا عند البث التلفزيوني أو عبر المنصات الرقمية، فيختل الميزان الطبيعي بين الحوار والموسيقى.

أما عن نمط الموسيقى نفسه، فقد تغير كثيرًا. فالموسيقى الدرامية القديمة كانت تعتمد على اللحن الواضح والهدوء النسبي، وتدخل المشهد برفق ثم تنسحب منه دون إزعاج. أما الآن فقد طغت المؤثرات الإلكترونية والضربات الإيقاعية الحادة التي تخلق توترًا دائمًا حتى في المشاهد التي لا تحتاج إلى هذا التوتر.

وهنا يحق للمشاهد أن يتساءل: هل هو تطور فني أم مبالغة صوتية؟ والحقيقة أن المسألة ليست مؤامرة على أعصاب الناس كما قد يتخيل البعض، لكنها أقرب إلى خلل في الفهم الفني لوظيفة الموسيقى داخل العمل الدرامي. فحين يغيب التوازن بين الصورة والكلمة واللحن، يتحول العنصر المساعد إلى عبء يثقل المشهد بدل أن يثريه.

إن الدراما الحقيقية لا تحتاج إلى الضجيج كي تُقنع. فالمشهد الجيد يفرض نفسه بهدوء، والحوار الصادق يصل إلى القلب دون صخب. أما الموسيقى، حين تُستخدم بحكمة، فإنها تصبح كالنَفَس الخفي الذي يمنح العمل روحه… دون أن يعلو صوته على أصوات البشر.

2026-03-12

حين سرق الضوء الأزرق أعمارنا

 


دكتور محمد العوادي 

لم يكن التلفزيون حين ظهر في بيوت الناس مجرد جهاز للترفيه، بل كان نافذة على العالم. ولم يكن الإنترنت في بداياته إلا أداة للمعرفة والتواصل. لكن ما بدأ وسيلة نافعة تحوّل، مع مرور الوقت، إلى قوةٍ خفية تسحب الإنسان من واقعه رويدًا رويدًا، حتى باتت تلك الشاشات الصغيرة تتحكم في تفاصيل يومه ومزاجه وعلاقاته.

في المجتمع المصري، الذي كان يقوم في الأصل على دفء العلاقات العائلية والتواصل المباشر، حدث تحول عميق. جلس الأب يومًا أمام الهاتف، وغرق الابن في جهازه، وانشغلت الأم في متابعة شاشة أخرى، فصار البيت الواحد يجمع الأجساد ويُفرّق الأرواح. كل فرد يعيش في عالمه الرقمي الخاص، بينما الصمت يملأ المكان الذي كان يومًا يضج بالحكايات والضحكات.

المفارقة المؤلمة أن الهاتف والإنترنت أصبحا، عند كثيرين، أهم من العلاقات الإنسانية نفسها. يدفع البعض فاتورة الإنترنت بانتظام ودقة، وربما يضيق حاله في نفقات بيته، لكنه لا يحتمل أن تنقطع عنه الشبكة ساعة واحدة. وكأن الاتصال بالعالم الافتراضي صار ضرورة تفوق الاتصال بالأب أو الأم أو الزوجة أو الأبناء.

والأخطر من ذلك أن هذه الحالة لا تقف عند الكبار وحدهم. فحين ينشغل الآباء بالشاشات، يترك الأطفال ليقلدوهم دون توجيه أو رقابة. ينمو جيل كامل وهو يتعلم الحياة من هاتف صغير، لا من خبرة أبٍ حكيم ولا من حنان أمٍ يقظة. وهكذا تتحول التربية إلى مهمة مؤجلة، ثم إلى مهمة منسية.

ليست المشكلة في الإنترنت ولا في التلفزيون أنفسهما، فهما أدوات كبقية الأدوات. لكن الخطر الحقيقي يكمن في الاستسلام الكامل لهما حتى يسرقا وقت الإنسان وعلاقاته ووعيه. فالتكنولوجيا التي كان يفترض أن تخدم الإنسان، أصبحت في كثير من الأحيان تستعبده دون أن يشعر.

ربما لم تبدأ النهاية بعد، لكنها قد تبدأ حين ينسى الإنسان أن الحياة الحقيقية ليست خلف الشاشة، بل حوله: في حديثٍ مع أبٍ مسن، أو ضحكة طفل، أو جلسة عائلية بسيطة. هناك فقط تستعيد العلاقات معناها، ويستعيد الإنسان إنسانيته التي كادت تضيع في ضوء شاشة باردة.

23 رمضان

 

23 رمضان 

ثاني ليله وتريه 

اللهم إني استودعتك نفسي وامور حياتي وقلبي ، اللهم قرب لي الخير وابعد عني الشر و احفظني من كل سوء يارب العالمين اسعدني يالله ، وفقني ، كن معي ، احميني يارب ، أغفر ذنوبي جميعها ، اجبر خاطري ، احفظني في ودائعك يالله."

الحب الأبوي بين الأستاذ وتلميذه

  


دكتور محمد الشافعي 


الحب الأبوي بين التلميذ والأستاذ: رابط المعرفة والمودة

في أروقة العلم، حيث تمتزج الحروف بالأحلام، يولد نوع نادر من الحب، حب لا يعرف قيود النسب ولا تحكمه قوانين الوراثة، لكنه أقرب ما يكون إلى الأبوة. إنه الحب الذي ينشأ بين الأستاذ وتلميذه، ذلك الشعور العميق الذي يتجاوز العلاقة الأكاديمية ليصبح رابطة إنسانية من العطاء والامتنان.

أستاذ... لكنه أب

ليس كل من وقف على منصة التعليم مستحقًا لهذا اللقب، فالأبوة هنا ليست في الشرح ولا في وضع الدرجات، بل في القدرة على احتواء التلميذ، فهمه، توجيهه بحب، والأهم من ذلك أن يشعره بأنه ليس مجرد طالب في قاعة الدرس، بل ابن في ساحة الحياة. كم من أستاذ كان الأب الذي لم يجده تلميذه في منزله، وكم من تلميذ وجد في كنف معلمه يدًا تمتد إليه عندما خذلته الأيام!

إن الأستاذ الحقيقي هو من يرى في نجاح تلميذه امتدادًا لرسالته، من يفرح حينما يراه يتألق، لا لأنه كان السبب، بل لأنه أدرك أن جذوة المعرفة التي أوقدها في روحه لم تنطفئ.

التلميذ... حين يصبح ابنًا للعلم

في قلب كل تلميذ صادق، ينبض حب لأستاذه، حب ممتن، يشبه ذلك الذي يكنه الابن لأبيه حينما يمسك بيده لأول مرة ويقوده على طريق الحياة. قد لا يفهم التلميذ في لحظته الأولى قيمة هذا الحب، لكنه مع مرور الزمن، حين تعصف به رياح التجربة، سيعود بذاكرته إلى تلك اللحظات التي وقف فيها أستاذه إلى جانبه، نصحه، صقل فكره، وربما حتى عنّفه، لكنه كان دائمًا له، لا عليه.

علاقة خالدة رغم السنين

ليس غريبًا أن تجد شيخًا تجاوز الستين، يذكر أستاذه الأول بدمعة حنين، ليس غريبًا أن يظل صوت ذلك المعلم يتردد في ذاكرة تلميذه، يرسم له درب الصواب كلما تاهت به الحياة. إن الحب الأبوي بين الأستاذ وتلميذه لا ينتهي عند التخرج، بل يبقى ما بقي الأثر، وما أجمل أن يكون الأثر علمًا، وتوجيهًا، وحبًا لا يزول.

في النهاية، ربما يكون الأستاذ مجرد عابر في حياة تلميذه، لكن أثره قد يبقى خالدًا للأبد، كأب علّم ابنه كيف يمشي في دروب المعرفة بثقة، حتى وإن افترقت بهما السبل، يظل القلب ممتلئًا بتلك الذكرى النقية، ذكرى حب ولد في ساحات العلم، ونضج بين دفاتر الحياة.




2026-03-11

حين ينكشف وهم الصداقة

 



دكتور محمد الشافعي 

ليست السنوات وحدها معيار صدق العلاقات، فالعمر الطويل الذي تقطعه الصداقة لا يكون دائمًا ضمانًا لبقائها. قد تمتد علاقة ما لعقود، وتُروى عنها الحكايات، ويستشهد بها الناس مثالًا للوفاء، حتى يظن صاحبها أنها أصبحت جزءًا ثابتًا من حياته لا يمكن أن يتبدل. غير أن الأيام، في لحظة غير متوقعة، قد تكشف أن ما بدا راسخًا لم يكن في حقيقته إلا وهمًا لطيفًا عاش طويلًا قبل أن ينقضي.

خمسة وثلاثون عامًا من الصداقة ليست زمنًا يسيرًا. هي عمر كامل من الذكريات والمواقف المشتركة، ومن الجلسات الطويلة والحوارات التي لا تنتهي. صداقة بدأت بين زميلين في الكلية، ونمت مع مرور السنوات حتى صارت مثالًا يضربه المحيطون بهما؛ فيستشهد بها البعض، ويتندر بها البعض الآخر إعجابًا بمتانتها ودوامها.

لكن الحياة كثيرًا ما تختبر العلاقات في لحظات التحول. حين تتغير المواقع، وتتبدل المناصب، وتتسع المسافات النفسية بين الناس. عندها يظهر المعدن الحقيقي للعلاقة، ويُختبر صدقها اختبارًا صامتًا لا يحتاج إلى كلمات.

حين أصبح الصديق وكيلًا للكلية ومرشحًا لمنصب العميد، بدأ شيء ما يتغير. لم يكن التغير صاخبًا أو معلنًا، بل كان هادئًا ومتدرجًا؛ مسافة صغيرة تتسع يومًا بعد يوم، وغيابًا لا يُفسَّر، وبرودًا لم يكن مألوفًا من قبل. ومع الوقت، أخذت تلك المسافة تكبر حتى صار البعد هو الحالة الطبيعية بعد أن كانت القربى هي الأصل.

ثم جاءت لحظة كاشفة لا تُخطئها النفس. حين أصيب أحد الطرفين بكسر في القدم، وهو ظرف إنساني بسيط يكشف كثيرًا من الحقائق، لم يكن من الصديق إلا اتصال قصير لم يتجاوز أربعين ثانية، اتصال بارد خالٍ من حرارة السؤال، ولم يعقبه ما كان تقتضيه عشرة السنوات من زيارة أو وقفة صادقة. في تلك اللحظة أدرك القلب ما حاول العقل طويلًا أن يؤجله.

فالإنسان قد يتحمل البرود العابر، لكنه لا يستطيع أن يتجاهل غياب الإحساس حين يكون في أشد لحظاته احتياجًا إليه.

ومرت الشهور، سبعة أشهر كاملة، ثم جاء لقاء عابر في أروقة الكلية، لقاء لم يغيّر شيئًا من حالة التباعد. لم تُستعد فيه حرارة قديمة، ولم تُفتح فيه أبواب الحديث كما كانت تُفتح في الماضي. عندها بدا الأمر واضحًا لا لبس فيه: لقد انتهت تلك الصداقة، لا بضجيج الخصام، بل بصمت الانطفاء.

والانطفاء أحيانًا أبلغ من أي خلاف.

ليس في هذا الإدراك مرارة بقدر ما فيه وضوح. فبعض العلاقات تنتهي لأن الظروف التي صنعتها انتهت، وبعضها يسقط لأن المناصب تكشف طبائع لم تكن ظاهرة من قبل. وقد يكون أقسى ما في الأمر أن الإنسان لا يكتشف زيف العلاقة في بدايتها، بل بعد عمر طويل من الثقة.

ومع ذلك، فإن الكرامة الإنسانية تظل هي الميزان الأعدل. فحين يصل المرء إلى يقين بأن العلاقة قد انتهت، وأن الطرف الآخر اختار الابتعاد، فإن الحكمة تقتضي أن يقابل ذلك بالهدوء نفسه. لا عتاب يطيل الألم، ولا محاولة لإحياء ما مات بالفعل.

لذلك قد يكون القرار الأكثر اتزانًا هو ترك المسافة كما هي، دون سؤال أو تواصل، ليس انتقامًا ولا قسوة، بل احترامًا لما تبقى من كرامة العلاقة القديمة.

فالذكريات الجميلة لا تحتاج إلى إلحاح كي تبقى، لكنها أيضًا لا تستطيع أن تعيد الحياة إلى علاقة قرر أحد طرفيها أن يتركها تمضي.


وهكذا يمضي الإنسان في حياته متعلمًا درسًا هادئًا:

أن الصداقة الحقيقية لا تختبرها السنوات، بل تختبرها المواقف.

وأن بعض العلاقات التي ظنناها عمرًا كاملًا، لم تكن في النهاية إلا فصلًا طويلًا انتهى عندما تغيّرت الصفحة.