دكتور محمد الشافعي
حدود الطيبة وحكمة النضج
الإنسان بفطرته ميّال إلى الصفاء، مؤمن أن اللطف يُقابَل باللطف، وأن حسن النية يثمر خيرًا يشبهه. غير أنّ دروس الحياة لا تلبث أن تكشف له أن الأمور لا تجري دائمًا كما تخيّل؛ فالناس لا يتعاملون معك بما تمنحه لهم، بل بما تمليه طبائعهم وما يحكم دواخلهم. قد تُقدِّم قلبًا نقيًا فيواجهك آخر بريبة، وقد تُبادر بصدق فلا تجد إلا برودًا أو إساءة.
ومع مرور الوقت، يكتشف المرء أن الأفعال أبين من الأقوال، وأن النوايا الحسنة، وإن لم تردع الآخرين عن جحودهم، فإنها على الأقل تصون صاحبها من تلوث القلب وضياع الطهارة الداخلية. فالنقاء ليس ضعفًا، بل قوة خفية ترفع النفس فوق صغائر الدنيا، وتُبقيها على صفاء يليق بالكرامة الإنسانية.
غير أن الحكمة تقضي أن الطيبة لا تعني الانفتاح المطلق بلا حذر، ولا التسليم الأعمى لكل من يقترب. فالنضج الحق لا يُلغِي نقاء الروح، لكنه يضع له أسوارًا تحفظه. إنّه التوازن بين العطاء والحدود، بين الثقة والوعي، بين صفاء القلب ويقظة العقل.
فالإنسان حين يُحسن بلا حساب قد يظن أنه يربح القلوب، لكنه إن لم يتعلّم أن يحمي ذاته فقد يخسر نفسه. أما حين يُهذّب طيبته بوعي، فإنه يظل نقيًّا، غير أنه محصَّن، يعطي من خيره بقدر، ويصون روحه من الانكسار.
هكذا يصبح النضج ليس فقدانًا للبراءة، بل حراسة لها؛ ليس تنازلًا عن الطيبة، بل صونًا لها من العبث والامتهان. ومن أدرك ذلك، مضى في الحياة مطمئنًا، يزرع الخير حيث وجد تربة خصبة، ويحمل قلبه أبيض كما كان، لكنه هذه المرة أكثر حكمة وأشد ثباتًا.































