2025-03-30

طبيعة العمل في مجال الآثار



دكتور محمد الشافعي 

العمل في مجال الآثار المصرية القديمة ليس مجرد مهنة، بل هو شغف يأسر القلب والعقل معًا. إنه رحلة عبر الزمن، نسبر من خلالها أغوار الحضارة المصرية التي أبهرت العالم منذ آلاف السنين. ورغم ما يحيط به من تحديات ومشاق، فإن لذة الاكتشاف ومعايشة التاريخ تمنح الباحث الأثري متعة لا تضاهى.

الجانب الميداني من العمل الأثري يتطلب جهدًا بدنيًا وفكريًا هائلًا، خاصةً في عمليات التنقيب والحفائر. فالعمل تحت أشعة الشمس الحارقة في الصحراء، بين الرمال والأتربة، يحتاج إلى صبر وعزيمة. ومع كل اكتشاف جديد، سواء كان تمثالًا صغيرًا أو نقشًا يحمل بين طياته معلومة مجهولة، تتجدد الحماسة ويشعر الأثري بأنه يضع لبنة جديدة في بناء المعرفة التاريخية.

لكن العمل الميداني لا يقتصر على الحفر فحسب، بل يشمل أيضًا التحليل المعملي، وتصنيف القطع، وترميم الآثار، مما يتطلب دقة بالغة وخبرة فنية. ومع كل خطوة، تتجلى أهمية التعاون بين الأثريين والمرممين والكيميائيين والمهندسين في سبيل الحفاظ على إرث الأجداد.

أما أنا، [محمدالشافعي] فقد وجدت شغفي في الجانب الأكاديمي والتدريس والبحث العلمي. هنا لا تكون الآثار مجرد قطع حجرية تُكتشف، بل أفكارًا ونظريات يتم تفكيكها وتحليلها وإعادة بنائها في ضوء المعارف الحديثة. التدريس في هذا المجال ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو عملية إحياء للتاريخ في أذهان الطلاب، حيث يتحول الفصل الدراسي إلى ساحة للحوار والتأمل.

إنني أستمتع إلى أقصى حد بالتفاعل مع طلابي، ومناقشة تفاصيل الحضارة المصرية معهم، ومساعدتهم على رؤية الفن والعمارة والرموز الدينية بمنظور جديد. فكل سؤال يطرحونه، وكل فكرة يناقشونها، تفتح لي نوافذ جديدة للتفكير، وتجعلني أعيش التاريخ من جديد من خلال عيونهم.

أما البحث العلمي، فهو طريق طويل لكنه ممتع. تتطلب الدراسات الأثرية التدقيق في النصوص القديمة، وتحليل النقوش، وربط العناصر الفنية والمعمارية بالسياقات التاريخية، مما يجعل كل بحث بمثابة مغامرة فكرية. ورغم التحديات، من قلة الموارد أحيانًا أو تعقيد الوصول إلى بعض المواقع الأثرية، فإن لحظة الوصول إلى استنتاج جديد أو إعادة تفسير معلومة قديمة تعوّض كل الجهد المبذول.

العمل في الآثار المصرية، سواء في الحفائر أو التدريس والبحث، هو مزيج من الشغف والتحدي. ورغم المشاق، فإن حب المعرفة والاكتشاف والتفاعل مع العقول الشغوفة يجعل كل تعب يهون، وكل جهد يستحق. فمن يسلك هذا الطريق، لا يرى في التاريخ مجرد ماضٍ مندثر، بل حاضرًا ينبض بالحياة، ومستقبلًا نخطه بحروف العلم والشغف.

ليست هناك تعليقات: