دكتور محمد الشافعي
كان بيت والدي شعلة مضيئة من الكرم، شعلة لم تخبُ يومًا، ولم تنطفئ جذوتها أبدًا. لم يكن مجرد بيت يأوي ساكنيه، بل كان واحةً تمتد ظلالها لكل من طرق بابه، وملاذًا يجد فيه القريب والغريب راحة القلب وسكينة الروح. كان والدي رجلًا معطاءً، يُنفق بسخاء، ويهب بلا تردد، وكأن الكرم قد تجسد في شخصه، وكأن العطاء قد صار نبضًا يسري في عروقه.
لم يخلُ بيتنا يومًا من الضيوف، ولم يكن بابنا موصدًا أمام أحد، فكأن الدار قد كُتب عليها أن تكون محجة للوافدين، وملجأً لكل محتاج. كان الضيف في بيتنا لا يشعر بالغربة، بل يجد نفسه بين أهله، وقد غمرته حفاوة الاستقبال ودفء الترحيب. وكان والدي أول من يهرع لاستقبال القادمين، يسابق الجميع ليحمل عنهم عناء الطريق، ويمد إليهم يده مرحبًا، ووجهه مشرق بالبِشر والود.
أما مائدتنا، فكانت دائمًا عامرة بالخيرات، لا ينضب معينها، ولا يخفت وهجها، وكأنها تجسد تلك الروح السخية التي تفيض بها نفس والدي. لم يكن يؤمن بأن الضيافة مجرد عادة، بل كان يراها رسالة إنسانية، تعبيرًا صادقًا عن الحب والتقدير. وكم من مرة رأيناه يخرج ما في جيبه لسائل أو محتاج، لا يسأل، ولا يتحرى، فالثقة لديه كانت بلا حدود، والإحسان عنده كان بلا قيود.
لم يكن والدي معطاءً مع الغرباء فقط، بل كان سندًا لا يتزحزح لعائلته، يدًا حانية تمتد لمن حوله، يحمل همّهم قبل أن ينطقوا، ويسارع إلى نجدتهم قبل أن يستغيثوا. كان بيتنا عامرًا بأفراد العائلة، وكل منهم يجد فيه ملجأً وسندًا، فقد كان حاضرًا في كل تفاصيل حياتهم، مرشدًا وناصحًا، لا يبخل برأي، ولا يتأخر عن مساعدة.
رحل والدي، لكن كرمه بقي في الذاكرة حيًّا، وروحه السخية ما زالت تسكن أرجاء البيت، تطوف في زواياه، تروي حكايات العطاء، وتشهد أن رجلًا مرّ من هنا، رجلًا لم يعرف للبخل طريقًا، ولم يسمح لنفسه إلا أن تكون نبعًا متدفقًا من الجود والفضل. وسيظل بيته شاهدًا على حسن الضيافة، وسيرته عطرةً تتناقلها الألسن، كلما جاء ذكر الكرم والمروءة والعطاء الذي لا ينضب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق