2025-03-29

بين راحة الجسد ومعاناة الروح



 
دكتور محمد الشافعي 
لقد أصبح الإنسان المعاصر أسيرًا لراحة جسده وسجينًا لأعباء روحه، فالحياة التي كنا نلهث وراء رفاهيتها قدّمت لنا الراحة على طبق من ذهب، لكنها سلبت منا سكينة النفس وطمأنينة القلب. كل شيء من حولنا مهيأ ليخفف عنّا العناء البدني، فنحن لا نحتاج إلى السير لمسافات طويلة، ولا إلى بذل مجهود عضلي في أي مهمة، فالتكنولوجيا حملت عنّا أعباء كانت يومًا ما جزءًا لا يتجزأ من يومياتنا، لكن في المقابل، ألقت على عاتقنا أحمالًا نفسية لم تكن تخطر لنا على بال.
إن الأجساد التي كانت تكدح في الحقول، وتتسلق الجبال، وتحمل الحطب، أصبحت مسترخية على الأرائك، تتصفح الشاشات البراقة، بينما العقول تغلي كقدور فوق نار لا تنطفئ. لم يعد الألم جسديًا بقدر ما أصبح معنويًا، فالقلق أصبح سيد اللحظات، والتوتر رفيق الدروب، والحيرة تملأ العيون الباحثة عن راحة لن تأتي.
في الماضي، كان الإنسان ينام من فرط التعب، أما اليوم، فإنه يتقلب في فراشه من فرط التفكير. صار الليل ساحة صراع بينه وبين أفكاره التي تنهشه، والأرق أصبح رفيقًا دائمًا، يدق على الأذهان كلما حاولت أن تستسلم للراحة. فما جدوى الراحة الجسدية إذا كان العقل لا يهدأ؟ وما نفع التكنولوجيا إذا كانت الروح تعاني؟
لقد وفر لنا العصر الحديث كل ما يجعل الحياة سهلة، لكنه لم يعلّمنا كيف نكون سعداء. فالضغوط تزداد، والمسؤوليات تتكاثر، والمنافسة لا تهدأ، والإنسان يجد نفسه في سباق لا خط نهاية له، يركض نحو لا شيء، ويشقى بلا سبب واضح. السعادة التي وعدتنا بها الراحة الجسدية أصبحت سرابًا، والوهن النفسي أصبح داء العصر، لا يُرى لكنه يفتك بنا في الخفاء.
ربما حان الوقت لنعيد التوازن بين الجسد والروح، أن نستعيد بعضًا من مشقة الماضي التي كانت تمنحنا طعم الراحة الحقيقية، وأن نتخفف من ثقل العالم الرقمي الذي أثقل أرواحنا. فالراحة ليست في الاستلقاء، وإنما في راحة الضمير، والسلام ليس في إطفاء الأضواء، بل في إطفاء نيران القلق التي تشتعل في الصدور.

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

مقااال عظيييم❤️❤️❤️❤️❤️❤️