2010-10-12

وردة بيضاء قصة قصيرة بقلم منى النمورى



نظر إلى جسد زوجته الممدد على السرير ..عاجزاً عن الحركة..نظر الى عينيها الزجاجيتين مثبتتين على نقطة ما فى الفضاء..كان قد حفظ تماماً ما يحدث منذ لازمت الفراش و بدا أكيداً انها تحتضر ..كانت تظل متخشبة هكذا لفترة طويلة ثم تفتح فمها و تحاول أن تقول شيئاً و تفعل بصوت مبهم أو بلغة لا يعرفها ثم تتعب من المحاولة و تصمت.. أحيانا كانت تشير برأسها الى نقطة فى الأمام..حاول أن يجعلها تكتب ما تريد لكنها كانت تفعل بلغة غريبة..مصورة مثل لغة الفراعنة..فى بداية تعبها كانت تحاول بحماسة و لهفة..كمن يتشبث بشئ ليطفو..الآن بَعُدَت المحاولات وخلت من الإصرار والتمسك..كانت تمر أيام دون أن تحاول ويظل هو يعرض عليها كل ما فى المنزل دون جدوى..حتى أنه أحضر المجلات والجرائد والصور ليريها إياها عسى ان يلحظ تغيراً فى خلجات وجهها أو إيماءةً من رأسها أوحتى صوتاً رفيعاً يصدرعنها ليشير الى موافقتها بأن هذا هو الشئ الذى تريده..ولكن لم يحدث..لم يعد يتذكر صوتها او طريقة كلامها..لم يستطع العثور على أى تسجيل لها حتى يتذكر..هى التى كانت ترتب الأشياء فى المنزل ولا يعرف طريقاً لأى شئ. كان ممتناً لها أنها كانت تبقى غياراته وأشيائه منظمة و فى مقدمة الدولاب حتى يراها..لولا هذا ما إستطاع أن يجد شيئاً ..هل كان صوتها رفيعاً؟ غليظا؟ لم يستطع ان يحدد.ً الحق أنه لم يستطع أن يتذكر انه سمعها أصلاً فى أى جمل طويلة..هل كانت تكتفى بالجمل القصيرة فقط أم أنه لم يكن هنا ليسمع؟ حيرته هذه الأسئلة..لم يكن ليهتم بها الآن وهو يحاول فهم ماذا تريد لإنقاذ حياتها.. آه..كانت أحياناً تحكى له قصصاً..لم يفهم لماذا كانت تلجأ للقصص دوماً ولا تقول ماذا تريد بشكل بسيط..قصة ..قصة الوردة..وردة بيضاء فى قلب الشتاء أرادتها أميرة صغيرة من والدها التاجر كثير الأسفار..أختاها الكبيرتان أرادتا أشياءً جميلة و غالية: عقداً وسواراً و كانت تلبية هذه الطلبات أسهل من الوردة البيضاء. كاد الأب يفقد حياته لأجل الوردة البيضاء التى كانت فى حديقة وحش مسحور. كان يمل حكاياتها ويضحك قائلاً " كبرت ياستى على الحكايات..وفريها للصغار..ثم مادخل الحدوتة في سؤالى؟ سألتك ماذا تريدين و تحكى لى عن وردة بيضاء؟ لا تشتكِ بعد ذلك أننى لااهتم بك." جرى بسرعه و بحث عن ورود بيضاء..أحضرها متلهفاً و قربها من أنفها..فتحت عينيها المنتفختين..نظرت إليه فى توسل..أشار برأسه الى الورود..نظرت الى الورود و إنفلتت دمعة من عينيها ثم مالت برأسها للناحية الأخرى و غابت.

رجع الى كرسيه يرقبها..كيف إنتهى بها الحال هكذا؟ كانت ..كانت صاروخاً مكوكياً فى نشاطها..شعلة فى ذكائها و حركتها بل وعصبيتها..كانت..ربما كانت وردة نادرة فى جمالها..آه ربما كانت تعنى نفسها بالوردة؟ كتب لها على ورقة بيضاء بخط كبير " انت جميلة مثل الوردة البيضاء" وضعها امام عينيها ..أكيد أنها لم تنس لغتها الأم حتى بعد أن أصبحت تتكلم لغة غريبة ليست كلغة البشر.. قرأت اللوحة..بكت ثانية..تركها وعاد الى كرسيه يائساً.

بعد عدة أيام ..أو أسابيع.. لدهشته رفعت رأسها مرة أخيرة و ثبتت عينيها فى عينه ..إنتبه ملهوفاً.. فتحت فمها و قالت أشياءً عديدة..لم تكن تبكى او تتألم مثل كل مرة..فتحت فمها مرة اخرى دون أن تتكلم..ظنها عطشى..جرى بسرعة ليحضر ماءً ..عاد ليجدها ساكنة تماماً..ساكنة أكثر من اللازم..سكوناً نهائياً.

إنفطر قلبه عليها..و فى وسط إلتياعه ظل يفكر فى معنى للوردة البيضاء.

هناك 3 تعليقات:

Kawthar Y. يقول...

لعله يوماً ما يدرك بأن ما أرادته لا يشترى ولا يباع، شيئاً معنوياً كالوردة البيضاء، لكنه حين يدرك ذلك ولعله لن يصله سيأكل أصابعه ندامة على شيئ رغم بساطته لم يستطع تقديمه لها لأنه ببساطة كان أعمى قلب.
قصة رائعة لم أستطع أن أقرأها و أصمت

mahmoud atef يقول...

من تلميذ سيادتك محمود عاطف
ما أجملها من قصة رائعة تصف الإنسان لحظة فقده و لو تذكرنا هذه اللحظة في حياتنا و لهونا ما أغضبنا أحد و لا حزنا قط و لكن هكذا نفقد أحباءنا دون أدنى استعداد ولعل الوردة البيضاء في صفائها و جمالها و رقتها ترمز لكل قلب طاهر برئ يحب الله و يحب الناس و لا يكن بغضا لأحد..تعليقي متأخر و لكنها قصة رائعة حقا

غير معرف يقول...

قصة غاية في الروعه جعلتنى ادمع .مؤثرة كتير تسلم ايديكى منى
قمة الرومانسية راااااااااااااااائعة بجد شكرا لك