2026-02-03

مر العمر وكبرنا



 

دكتور محمد الشافعي 

مرور العمر رحلة صامتة لا يستأذننا فيها الوقت، ولا يترك لنا فرصة لالتقاط أنفاسنا. كأن السنين رياح عاتية تهبّ مسرعة، تحملنا على أجنحتها دون أن نشعر، فإذا بنا نلتفت فجأة فنجد أن الطفولة ولّت، وأن الشباب انقضى، وأن الشيب يطرق أبوابنا في غير موعد.

لقد غدونا كبارًا على حين غفلة؛ أجسادنا تثقلها الأوجاع، وظهورنا تنحني من ثقل الأيام، وقلوبنا تفيض بحكايات لم نروها. صار الصمت رفيقنا الأوفى، فهو وحده يحتمل ما لم نستطع أن نبوح به، وصار الرضا ملاذنا الأخير، نقبل الجرح ونسير، نبتلع الغصّات كأنها قدر مكتوب.

إنه العمر، يبدلنا بغير أن نشعر، يجعلنا أقرب إلى أمهاتنا مما كنا نظن؛ نواسي غيرنا ونحمل جراحنا وحدنا، نوزع الصبر كأننا نملكه، بينما قلوبنا تئن في سرّها. ومع كل هذا، نجد أنفسنا وقد اعتدنا الوحدة، صارت لنا موطنًا نهرب إليه من ضجيج الحياة، ومن خذلان البشر.

لكن ما أقسى أن ندرك متأخرين أننا لم نعش أعمارنا كما ينبغي! لم نمنح الطفولة حقها من اللهو، ولا الشباب نصيبه من الحرية، وكأن الزمن اختصر بنا الطريق فقذفنا من الطفولة إلى الكهولة دفعة واحدة، تاركًا الطفل فينا يتيمًا لم يكتمل، وأحلامه حبيسة لم تولد.

إنها رحلة الإنسان مع ذاته ومع الزمان، رحلة تتلخص في جملة واحدة: لقد مر العمر، لكننا لم نمر به كما يجب.

بين ما يُحسَب وما يُعاش

 


دكتور محمد الشافعي 

سألني أحد طلابي سؤالًا بسيط الصياغة، بالغ العمق:

ما الفرق بين العمر والحياة؟

توقفت لحظة. لم أُرد أن أجيب بعجلة، فبعض الأسئلة لا تُجاب من الذاكرة، بل من التجربة. أخذت نفسًا عميقًا، ومرّ شريط طويل من الوجوه والمواقف والغيابات أمام عيني في لحظة خاطفة، كأن الزمن أراد أن يقدّم نفسه شاهدًا.


ثم قلت له:

العمر هو ما يمضي علينا قهرًا، لا نستأذن فيه ولا نستطيع إيقافه. هو الوقت الذي يحسبه علينا التقويم، وتعدّه الساعات بلا اكتراث. يمضي سواء كنا فرحين أو مثقلين، سواء كنا مع من نحب أو وحيدين.

أما الحياة، فليست كل هذا الزمن. الحياة هي الجزء الذي نشعر به، لا الذي نمرّ خلاله مرورًا عابرًا. هي اللحظات التي يكون فيها القلب حاضرًا، والروح منتبهة، والإنسان كاملًا لا مجرد رقم في عدّاد الأيام.

الوقت الذي نمضيه بعيدًا عن أحبابنا قد يطول، وقد يمتلئ بالأحداث، لكنه في جوهره عمر فقط؛ زمن يتحرك بلا روح، وساعات تمضي بلا أثر. أما الوقت الذي نقضيه مع من نحب، فهو الحياة ذاتها، لأن الزمن فيه لا يُقاس بالدقائق، بل بالمعنى.

لهذا قد يعيش الإنسان عمرًا طويلًا دون أن يذوق الحياة، وقد يعيش سنوات قليلة لكنها ممتلئة حتى آخرها. فالعمر يُحسب… أما الحياة فتُعاش.