دكتور محمد الشافعي
أمقت الصّوت العالي بشكل لا يوصف، ومن المؤسف أننا محاطون بأشخاص لا يملكون أيّ موهبة إلّا صوتهم العالي.
لا أعرف لماذا يظن بعض الناس أن رفع الصوت يمنح الكلام قيمة، أو أن النبرة الصاخبة تضفي على صاحبها مهابة. والحقيقة أن الإنسان لا يصبح أكثر حضورًا حين يعلو صوته، وإنما قد يصبح أكثر إزعاجًا؛ فبين الحضور والضجيج مسافة لا يقطعها ارتفاع النبرة.
ثمة أصوات مرتفعة تملأ المكان، لكنها لا تضيف إليه شيئًا. تضجّ، وتجادل، وتقاطع، وتستأثر بالكلام، ثم تنتهي كما بدأت: صوتًا بلا أثر. وكأن أصحابها يخشون هدوء اللحظة؛ لأن الهدوء يمنح الكلام فرصة لأن يُوزن، ويكشف الفكرة إن كانت راسخة أو هشة.
والصوت العالي ليس دائمًا علامة غضب؛ أحيانًا هو أسلوب حياة. تراه في حديث صاحبه، وفي اختلافه، وفي اعتراضه، وفي معاملته لمن حوله. لا يعرف أن يطلب إلا بصوت مرتفع، ولا يعترض إلا بصخب، ولا يختلف إلا وكأنه في خصومة. حتى الأشياء الصغيرة عنده ترتدي ثوب المعركة.
وهنا تكمن المشكلة؛ فحين يفقد الإنسان القدرة على إدارة انفعاله، يبدأ في إدارة الآخرين بصوته.
وأكثر ما يثير النفور أن يتحول الصراخ إلى وسيلة لإرهاب الحوار. يرفع أحدهم صوته، فيتراجع الآخر لا لأنه اقتنع، وإنما لأنه لم يعد يحتمل. ثم يخرج صاحب الصوت العالي منتصرًا في وهمه، لا يدري أنه لم يكسب حجة، وإنما كسب لحظة صمت فرضها على الآخرين.
أما العقل المتزن، فلا يحتاج إلى ذلك كله. يعرف أن للكلمة وزنًا، وللصمت معنى، وللاختلاف أدبًا. يتحدث دون أن يزاحم، ويختلف دون أن يخاصم، ويُصرّ على رأيه دون أن يحوّل صوته إلى سلاح.
ولذلك أجدني أميل دائمًا إلى أصحاب الأصوات الهادئة؛ ليس لأن الهدوء فضيلة في ذاته، وإنما لأن وراءه في كثير من الأحيان نفسًا أكثر اتزانًا، وعقلًا لا يحتاج إلى الصخب كي يشعر بوجوده.
فالكلمة الهادئة قد تستقر في النفس طويلًا، بينما يبدد الصراخ نفسه بنفسه.
ليس كل صوتٍ مرتفعٍ قويًا، وليس كل صمتٍ ضعفًا؛ أحيانًا يكون الهدوء هو الصورة الأكثر نبلًا للقوة، ويكون الصخب مجرد ستارٍ كثيف يخفي وراءه فراغًا لا يريد صاحبه أن يُرى.
