2026-06-25

الإنسانية قبل كل شيء



 

دكتور محمد الشافعي 

من أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان في هذه الحياة أن يكون سببًا في إسعاد الآخرين، وأن يسعى إلى التخفيف عنهم ومساندتهم، ولو بكلمة طيبة أو موقف نبيل أو ابتسامة صادقة. فليست كل أشكال العطاء مادية، بل إن العطاء المعنوي قد يكون في كثير من الأحيان أكثر أثرًا وأعمق وقعًا في النفوس، لأنه يلامس القلب مباشرة ويمنح صاحبه شعورًا بالأمان والتقدير والاحتواء.

إن جبر الخواطر من أسمى صور الإنسانية، وإدخال السرور إلى قلوب الناس عمل نبيل لا يرتبط بدين أو عرق أو فكر أو انتماء، فالإنسانية الحقة لا تعترف إلا بالإنسان، ذلك الإنسان الذي يحمل قلبًا رحيمًا، ونفسًا محبة، وروحًا تتسع للناس جميعًا. وما أجمل أن يعيش المرء وهو يسعى إلى نشر الخير حيثما كان، فيترك وراءه أثرًا طيبًا وكلمة حسنة وذكرى جميلة.

ولعل أعظم ما يجنيه الإنسان من الإحسان إلى الآخرين هو ذلك الرضا الداخلي والصفاء النفسي الذي لا يُشترى بالمال ولا يُنال بالمظاهر. فحين يساعد المرء غيره، ويخفف عنه همًا، أو يزرع في نفسه الأمل، يشعر بأنه يؤدي رسالة سامية تمنحه السكينة والطمأنينة. ولذلك كان الإحسان في جوهره نفعًا متبادلًا؛ ينتفع به المحتاج وينعم به المحسن.

ومن الحكمة أن يحسن الإنسان حتى إلى من لا يحسن إليه، لا ضعفًا ولا استسلامًا، وإنما لأن أخلاقه لا ينبغي أن تكون رهينة بأخلاق الآخرين. فالمرء يعبر عن نفسه وقيمه ومبادئه، لا عن طبائع من حوله. ولذلك قيل إن الكرام يترفعون عن الإساءة، ويقابلون الجفاء بالحلم، ويواجهون القسوة بالرفق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

أما الانشغال الدائم بأخطاء الناس ونواياهم ومواقفهم، فلا يجلب إلا التعب والضيق. والحياة أقصر من أن تُهدر في تتبع الآخرين أو الانشغال بعقدهم وأمراضهم النفسية. فالأجدر بالإنسان أن يعيش مرتاح البال، صافي النفس، منشغلًا بإصلاح ذاته وبناء حياته، وأن يجعل من الخير منهجًا ومن التسامح أسلوبًا ومن العطاء رسالة.

وكل إنسان يستطيع أن يمارس هذا الدور من خلال مهنته وموقعه في المجتمع. فالأستاذ الجامعي، على سبيل المثال، لا يقتصر دوره على نقل المعرفة فحسب، بل يمتد إلى بناء الإنسان وصناعة الأمل في نفوس طلابه. ومن هنا فإن الأستاذ الناجح هو الذي يجمع بين العلم والرحمة، وبين الحزم والإنصاف، وبين التوجيه والاحتواء.

فليكن الأستاذ قريبًا من طلابه، يحترمهم ويحفظ كرامتهم، ويقدر ظروفهم، ويجعل العملية التعليمية وسيلة للفهم لا أداة للإرهاق. وليحرص على أن يكون مباشرًا وواضحًا في تدريسه، بعيدًا عن التعقيد غير المبرر، وأن يخفف عن طلابه ما أمكن من الضغوط والتوتر دون الإخلال بجودة التعليم. فالغاية ليست تعجيز الطالب، وإنما تمكينه من العلم وتنمية قدراته.

إن الامتحان الحقيقي للأستاذ ليس في صعوبة أسئلته، بل في قدرته على إيصال المعرفة، وفي نجاح طلابه في فهمها واستيعابها.

 كما أن الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والاستجابة لطلب محتاج، قد تترك في نفس الطالب أثرًا يبقى سنوات طويلة بعد انتهاء الدراسة.

وفي النهاية، يبقى الخير هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، وتبقى الرحمة هي الجسر الأقصر إلى القلوب. فكن صاحب قلب رحيم، ونفس سمحة، ويد ممدودة بالعون ما استطعت، واجعل من وجودك في حياة الآخرين مصدرًا للراحة لا للمعاناة، وللأمل لا للإحباط. فربما كانت كلمة منك سببًا في سعادة إنسان، وربما كان موقف بسيط سببًا في تغيير حياة كاملة، وما أعظم أن يترك الإنسان وراءه أثرًا من الخير والمحبة والإنسانية.

ليست هناك تعليقات: