دكتور محمد الشافعي
من أصعب ما يمر به الإنسان أن يكتشف فجأة أن الصورة التي رسمها في ذهنه عن مكانته لدى الآخرين لم تكن مطابقة للواقع. فليس الألم في بذل الجهد، ولا في العطاء ذاته، وإنما في أن يظن المرء أن ما قدمه من خير وإحسان وتقدير قد وجد صداه في النفوس، ثم يفاجأ بأن الميزان قد مال في اتجاه آخر لم يكن يتوقعه.
لقد اعتدت أن أتعامل مع طلابي بمنتهى الاحترام، وأن أبذل ما أستطيع من جهد في شرح المقرر وتبسيطه، وأن أقدم لهم العون كلما سنحت الفرصة. ولم أكن أرى ذلك منّةً ولا تفضّلًا، بل واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا أؤمن به وأحرص عليه. ومع ذلك، جاءت نتائج التقييم لتطرح تساؤلات كثيرة حول طبيعة هذه العملية ومدى قدرتها على عكس الحقيقة كاملة.
فالطالب في كثير من الأحيان لا يقيم الأستاذ من خلال المعايير الأكاديمية وحدها، ولا ينظر دائمًا إلى حجم الجهد المبذول أو مقدار الإخلاص في العمل. بل قد تتداخل عوامل أخرى كثيرة في تشكيل حكمه؛ فقد يميل إلى الأستاذ المرح كثير المزاح، أو إلى من يقترب من تفاصيل حياته الشخصية، أو إلى من يجيد صناعة الألفة السريعة، وربما تحكمه أحيانًا اعتبارات الهوى والانطباعات العابرة أكثر مما تحكمه الموضوعية والإنصاف.
ولذلك فإن الاعتماد المطلق على تقييم الطلاب للحكم على الأستاذ أو على جودة المقرر والمحاضرات يظل أمرًا يحتاج إلى مراجعة وتأمل. فالتعليم عملية معقدة تتجاوز حدود الانطباعات الشخصية، ولا يمكن اختزالها في استبيان أو مجموعة من الأسئلة التي قد لا تعكس الصورة كاملة.
ولست وحدي من فوجئ بنتائج لا تتناسب - في ظني - مع ما بُذل من جهد، بل إن هناك زملاء آخرين تعرضوا للأمر نفسه، وهو ما يدفع إلى إعادة النظر في آليات التقييم ومعاييرها، حتى تكون أكثر قدرة على التمييز بين الأداء الحقيقي والانطباعات العابرة.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يبعث على الطمأنينة هو شعور الإنسان بالرضا عن نفسه. فأنا أعلم مقدار ما قدمته من دعم ومساندة وتيسير للطلاب، وأعلم أن درجات الأعمال الفصلية التي أُعلنت اليوم ستكشف جانبًا من هذا الدعم لمن أراد أن يتأمل وينصف. فقد حرصت على تخفيف المقرر قدر المستطاع، وعلى أن تكون الأسئلة واضحة ومباشرة بعيدة عن التعقيد والتكلف، إيمانًا مني بأن الغاية هي التعلم لا التعجيز.
لقد كنت أحلم بالحصول على تقييم كامل، وربما بالغت في الاعتقاد بأن ذلك قريب المنال. لكن الحياة كثيرًا ما توقظنا من بعض الأحلام لنرى الأمور على حقيقتها. ولعل في هذه التجربة درسًا مهمًا مفاده أن الإنسان ينبغي أن يجعل معيار رضاه الأول هو ضميره وما قدمه بإخلاص، لا ما ينتظره من تقدير الآخرين.
وفي النهاية أحمد الله على كل حال، فالتقييم مهما كانت نتائجه لا يغير من حقيقة الجهد المبذول، ولا ينتقص من قيمة العمل الصادق. أما اختلاف الآراء وتباين الانطباعات فهو أمر ملازم لكل عمل بشري. ويبقى الأهم أن يظل الإنسان وفيًا لمبادئه، مخلصًا في رسالته، مؤمنًا بأن ما يزرعه من خير لن يضيع، وإن تأخر الاعتراف به أو غاب عن بعض العيون.

هناك تعليق واحد:
ولا تشغل بالك بهم يا دكتور محمد
حضرتك إنسان رائع ومميز
وهؤلاء ليس لديهم الأدوات التي يستطيعوا فهمك بها
حضرتك والله كنت ولا زلت افضل معلم لنا في القسم
عمرو عبد الفضيل
دفعة 2009
إرسال تعليق