2026-06-30

معايير المعلم

 


دكتور محمد الشافعي

المعلم... مسؤولية قبل أن تكون مهنة

تُعد مهنة التدريس من أشرف المهن وأعظمها أثرًا في حياة الإنسان، فهي المهنة التي تصنع العقول، وتهذب السلوك، وتبني الأجيال. ومنذ المراحل التعليمية الأولى وحتى أروقة الجامعات، يظل المعلم هو الركيزة الأساسية في العملية التعليمية، ليس بوصفه ناقلًا للمعرفة فحسب، بل باعتباره مربيًا، وقدوةً، وصانعًا للوعي، ومؤشرًا للسلوك والأخلاق لدى التلميذ والطالب.

ولعل تأثير المعلم في السنوات الأولى من عمر التلميذ هو الأعمق والأبقى؛ ففي تلك المرحلة تتشكل الشخصية، وتُغرس المبادئ، وتُبنى أسس التفكير والانضباط واحترام الآخر. لذلك فإن أي خلل في شخصية المعلم أو سلوكه ينعكس مباشرة على من يتولى تعليمهم، وقد يترك آثارًا يصعب محوها مع مرور الزمن.

ومن هنا، لا يجوز أن يكون المعلم مشوبًا سلوكيا، أو معيبًا أخلاقيًا، أو فاقدًا للاتزان النفسي، بل ينبغي أن يتحلى بالحكمة، وسعة الصدر، والاتزان، وحسن التعامل، وأن يكون قادرًا على إيصال المعرفة بأسلوب راقٍ يجذب الطلاب ولا ينفرهم. كما أن حسن استخدام الصوت جزء من كفاءة المعلم؛ فالصوت الهادئ الواضح المعبر يساعد على الفهم، بينما الصراخ المستمر والإلقاء المنفر يبددان التركيز ويقتلان متعة التعلم.

وللأسف، قد نصادف أحيانًا نماذج لا تليق برسالة التعليم، حتى وإن حملت ألقابًا أكاديمية رفيعة. ومن حق المجتمع أن ينتقد هذه النماذج؛ لأنها تسيء إلى المؤسسة التعليمية وإلى مكانة المعلم نفسها. وإذا كان بعض الناس يصفون هذا الأسلوب بأنه الجحشاني، في إشارة إلى الصوت المنفر الذي يطغى على المحاضرة كلها، فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الصوت وحده، وإنما في غياب الحضور التربوي، وضعف التواصل، وسوء معاملة الطلاب، وافتقاد الصفات التي تليق بمن يتصدر لتعليم الأجيال.

إن الجامعة والمدرسة ليستا مكانًا لمن يفتقد الحد الأدنى من الكفاءة الأخلاقية أو التربوية، لأن المعلم لا يؤدي وظيفة عادية، بل يحمل رسالة تتعلق ببناء الإنسان. ولهذا فإن اختيار المعلمين وأعضاء هيئة التدريس يجب أن يخضع لمعايير دقيقة، لا تقتصر على المؤهلات العلمية، وإنما تشمل السيرة الأخلاقية، والاتزان النفسي، والقدرة على التواصل، والاحترام المتبادل، وضبط النفس، والرفق بالطلاب.

إن الارتقاء بالتعليم يبدأ بالارتقاء بالمعلم. وكل إصلاح حقيقي لمنظومة التعليم لن يكتمل ما لم يكن المعلم نفسه نموذجًا يُحتذى في الخلق، والهيئة، والعلم، والاحترام، لأن الأجيال لا تتعلم بالكتب وحدها، وإنما تتعلم أيضًا من الشخص الذي يقف أمامها كل يوم.

2026-06-28

العتاب

 



دكتور محمد الشافعي 

العتاب... متى يكون واجبًا، ومتى يفقد معناه؟

ليست كل الأخطاء تستحق العتاب، وليست كل الجراح تحتاج إلى كلمات. فهناك مواقف يكون فيها العتاب دليلًا على بقاء الود، ورغبةً صادقة في إصلاح ما أفسدته لحظة غضب أو سوء فهم. لكن هناك مواقف أخرى يصبح فيها العتاب عبثًا لا طائل منه، لأن الحقيقة تكون قد أعلنت نفسها بوضوح، ولم يعد الفعل بحاجة إلى تفسير، ولا يحتاج المسيء إلى من يذكّره بما اقترفت يداه.

فالعتاب لا يكون إلا حين يكون الخطأ عارضًا، أو التقصير غير مقصود، أو حين يجهل الطرف الآخر مقدار الألم الذي سببه. عندها يصبح الحوار وسيلة لاستعادة الصفاء، وتتحول الكلمات إلى جسر يعيد الثقة، ويمنح العلاقة فرصة جديدة للحياة.

أما إذا كان الأذى متعمدًا، والإهانة مقصودة، والخذلان قرارًا اتُّخذ عن وعي، فإن العتاب يفقد قيمته، لأن الإنسان لا يحتاج إلى من يخبره بما ارتكب. فالظالم يعلم أنه ظلم، والمسيء يعلم أنه أساء، ومن تخلى عنك في أول اختبار يدرك تمامًا ما فعل، فلا ينتظر منك درسًا في الأخلاق، ولا يجهل أثر تصرفه.

والمؤسف أن أصحاب القلوب الصافية كثيرًا ما يرهقهم حسن الظن، فيبحثون عن الأعذار، ويؤجلون مواجهة الحقيقة، ويقنعون أنفسهم بأن ما حدث كان مجرد سوء تقدير، بينما الواقع يؤكد أن بعض الأفعال ليست أخطاء عابرة، وإنما تعبير صريح عن حقيقة أصحابها.

إن الأفعال المؤذية لا تحتاج إلى تفسير، لأنها تحمل رسالتها في ذاتها. فالتجاهل المتعمد رسالة، والخذلان رسالة، والإهانة رسالة، وكل موقف يكشف لك مكانتك الحقيقية عند الآخرين. ومن الحكمة أن تقرأ هذه الرسائل كما جاءت، لا كما تتمنى أن تكون.

ولهذا، فإن الرد المناسب على الأذى المتعمد ليس الإكثار من العتاب، بل اتخاذ الموقف الذي يحفظ الكرامة. فالعتاب يُمنح لمن أخطأ وهو حريص على بقائك، أما من تعمد إيذاءك، فقد أنهى بفعله كل حديث كان يمكن أن يدور بينكما.

إن نضج الإنسان لا يظهر في قدرته على العتاب، وإنما في قدرته على التمييز بين من يستحق فرصة أخرى، ومن أثبت بأفعاله أن الرحيل عنه هو القرار الأصوب. فليس كل صمت ضعفًا، وليس كل انسحاب هزيمة، بل قد يكون أبلغ صور احترام النفس، وأرقى أشكال الحكمة.

ولهذا، لا تُهدر كلماتك في عتاب من لا يبالي، ولا تستنزف مشاعرك مع من حسمت أفعاله موقفه منك. ولا تستنزف مشاعرك مع من كشفت أفعاله حقيقته. 

فالعتاب لا يكون إلا لمن بقي في قلبه مكان للمودة، أما من أغلق هذا الباب بيده، فقد جعل أفعاله آخر حديث بينكما.

2026-06-27

الرياضة تُمارس ولا تُشاهد

 



دكتور محمد الشافعي

هل تستحق كرة القدم كل هذا الوقت؟

لا أجد مبررًا لذلك الشغف الجارف الذي يجتاح الملايين تجاه كرة القدم، ولا أرى في متابعتها ما يستحق أن يُقتطع من عمر الإنسان ساعةً ونصف الساعة، وربما أكثر، كلما أقيمت مباراة جديدة. ولست أتحدث عن ممارستها، فممارسة الرياضة أمر محمود لما فيها من ترفيه وتنشيط للجسد وحفاظ على اللياقة، وإنما أتحدث عن الجلوس متفرجًا أمام شاشة يراقب لعبة لا يشارك فيها ولا يجني منها نفعًا حقيقيًا.

إنني لا أطلب من الناس أن يكرهوا كرة القدم كما أكرهها، ولا أن يتخلوا عن هواياتهم، فلكل إنسان ما يميل إليه. لكنني أدعو إلى أن يُسأل السؤال البسيط: ماذا أضافت إليك كل تلك الساعات التي قضيتها في متابعة المباريات؟ وهل خرجت منها بعلم، أو مهارة، أو خبرة، أو أثر يبقى؟

ولو نظرنا إلى اللعبة في جوهرها، فلن نرَ سوى اثنين وعشرين لاعبًا يتناوبون الركض خلف كرة واحدة؛هذا يمررها إلى زميله، وذاك يعيدها إلى الخلف، وثالث يرسلها إلى الجانب الآخر، ثم تتكرر الدورة من جديد

أين تكمن المتعة في هذا التكرار؟ وأي قيمة معرفية أو فكرية أو إنسانية يضيفها هذا المشهد إلى المتابع؟ إن أقصى ما يمكن أن يقال إنه مجرد وقت يمر، لكنه يمضي بلا ثمرة.

وقد يقول قائل إن جمال اللعبة يكمن في المهارات الفردية. ولكن حتى هذه اللحظات النادرة لا تكاد تبدأ حتى تجد لاعبًا آخر يندفع ليعرقل صاحب المهارة، أو يقطع عليه الكرة، أو يفسد عليه ما صنعه، فتعود المباراة إلى صورتها المعتادة من الكر والفر والتمريرات المتكررة. فإذا كانت أجمل لحظات اللعبة نفسها لا تلبث أن تُجهض، فأين ذلك الإبهار الذي يتحدث عنه الناس؟

إن ما يثير الدهشة أن كثيرًا من الناس يفرحون فرحًا عظيمًا لأن فريقًا انتصر، ويحزنون حزنًا بالغًا لأن فريقًا خسر، مع أنهم لم يركضوا خطوة واحدة في الملعب، ولم يسهموا في هذا الفوز أو تلك الهزيمة بشيء.

إن أكثر ما يدعو إلى التأمل أن الإنسان قد يقضي من عمره مئات الساعات، بل آلافها، وهو يتابع نتائج فرق ولاعبين لن تغير شيئًا في حياته، بينما كان يستطيع أن يستثمر جزءًا من هذا الوقت في قراءة كتاب، أو تعلم لغة، أو إتقان حرفة، أو بناء مشروع، أو حتى الاستمتاع برياضة يمارسها بنفسه.

إنني أرى أن الرياضة تُمارس ولا تُعبد، وأن الملعب مكان لمن يلعب، لا لمن يستهلك جزءًا معتبرًا من عمره في متابعة لعبة لا يعود عليه منها إلا انفعال مؤقت ينتهي مع صافرة الحكم. فالقيمة الحقيقية للوقت ليست في كيفية قتله، وإنما في كيفية استثماره، والإنسان العاقل هو من يجعل عمره رصيدًا من الإنجاز، لا سجلًا طويلًا من المباريات التي شاهدها.

إن العمر أقصر من أن يُستهلك في مراقبة الآخرين وهم يركضون. والأجدر بالإنسان أن يركض هو خلف مشروعه، وأن يبذل وقته في تعلم علم، أو اكتساب مهارة، أو بناء عمل، أو صناعة أثر يبقى بعده. فالمتعة الحقيقية ليست في التصفيق لإنجاز الآخرين، وإنما في أن يكون للإنسان إنجازه هو، وأن يكون فاعلًا في حياته، لا متفرجًا يقف على هامش الزمن.

2026-06-26

سعادة لا تُفقد.



دكتور محمد الشافعي 

لا تجعل سعادتك مُعتمدة على وجود شيء من الممكن خسارته.

فالسعادة الحقيقية ليست تلك التي تُبنى على ما نملك، بل تلك التي تنبع من داخلنا. فكل ما في هذه الحياة قابل للتغير؛ المال قد يذهب، والمنصب قد يزول، والصحة قد تضعف، والأشخاص قد يرحلون، وحتى الأيام الجميلة لا تدوم على حالها. لذلك فإن ربط سعادتنا بشيء يمكن أن نفقده يجعلها هشة، تتأرجح مع تقلبات الحياة، وتنهار عند أول خسارة.

ليس المقصود أن نزهد في نعم الله أو نتوقف عن حب الناس أو السعي إلى النجاح، بل أن ندرك أن هذه كلها عطايا ثمينة نستمتع بها ونشكر الله عليها، دون أن نجعل وجودها هو الشرط الوحيد لشعورنا بالرضا. فمن يعلّق قلبه بالأشياء وحدها، يعيش أسير الخوف من فقدانها، أما من يعلّق قلبه بالقيم والمبادئ والإيمان والطمأنينة، فإنه يمتلك مصدرًا للسعادة لا تعبث به الظروف.

إن الإنسان الحكيم يفرح بما بين يديه، لكنه لا يسمح لفقده أن يسلبه اتزانه. يستقبل النعم بالامتنان، ويواجه المحن بالصبر، ويؤمن أن ما يذهب قد يعوضه الله بخير منه، وأن الحياة لا تتوقف عند خسارة واحدة مهما عظمت.

لقد علمتنا التجارب أن أكثر الناس راحة ليسوا بالضرورة أكثرهم مالًا أو شهرة أو نفوذًا، وإنما أكثرهم قدرة على التكيف مع المتغيرات، وأكثرهم قناعة بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه، بل بما يحمله في قلبه من سكينة، وفي عقله من حكمة، وفي نفسه من رضا.

فاجعل سعادتك قائمة على ما لا تُنقصه الأيام: على حسن الخلق، وصفاء الضمير، وصدق العلاقات، والعمل الصالح، والقناعة، والإيمان بأن لكل شيء في هذه الدنيا موعدًا، وأن دوام الحال من المحال. حينها ستصبح النعم سببًا للفرح، لا شرطًا لوجوده، وستعيش مطمئن النفس، ثابت القلب، مهما تبدلت الأحوال.

إن أجمل أنواع السعادة هي تلك التي لا يستطيع أحد أن ينتزعها منك، لأنها ليست معلقة بما في يدك، بل بما يسكن قلبك.

مريت

 


كتب الاثري شريف محمود 

نظرة عن قرب تظهر ملامح وجه السيدة الجميلة "مريت" زوجة عمدة طيبة "سن نفر".

من مشاهد مقبرته رقم ٩٦ بجبانة شيخ عبد القرنة المقبرة مؤرخة لعصر الدولة الحديثة.

إسم "مريت" يعني (المحبوبة) مازال حتى الان يتم تلقيب الزوجة بمراتي وهي نفس الكلمة المستخدمة في اللغة المصرية القديمة "مرات" اي زوجة و"إي" ضمير الملكية بمعنى زوجتي.

 كمان لاحظوا لون بشرتها المائل للإصفرار كناية عن عدم تعرضها لاشعة الشمس بعكس لون بشرة الرجال البنية او البنية المائلة للإحمرار نتيجة عن العمل المباشر تحت اشعة الشمس وممارسة الاعمال الشاقة بعكس السيدات الاقل عرضة لاشعة الشمس والإهتمام بعنايتهم الشخصية بشكل أكبر.

تأديب الكوشيين

 


كتب الاثري شريف محمود 

من مشاهد مقبرة قائد الجيش «حورمحب» بسقارة.

 مشهد يصور تأديب الكوشيين (سكان النوبة العليا) بيظهروا امامنا جالسين بعد إحضارهم من بلادهم بيتم تأديبهم ومحاسبتهم عن طريق إستجوابهم ومعاقبتهم عن طريق ضربهم بالشوم.

 لاحظوا الفوارق بين الكوشيين والمصريين الملامح الزنجية هتنطق في الاسفل نشاهد بقايا لون البشرة الداكنة يعني دي مشج مدرسة دول بياخدوا على دماغهم بعد معركة حربية خاضها «توت عنخ انون» ضدهم.

 الجدير بالذكر ان منطقة النوبة قديماً كانت مقسمة لشقين النوبة السفلى اللي هي المصرية «واوات» والنوبة العليا اللي هي شمال السودان «كوش» .

حقول إيارو

 


كتب الاثري شريف محمود 

السيدة "انهاي" لم تكتف بالإستمتاع في حقول النعيم بعد لحاقها بالاخيار ولكنها قررت أن تزرع القمح من اجل توفير الخبز لتقديمه للألهة وجني الكتان من اجل توفر القماش ونسجه من اجل تصنيع الملابس وتقديمها للمعبودات المتواجدة في حقول النعيم "سخت حتب" دي كمان تخيلت إن زوجها رئيس الإسطبل "نب سو منو" سوف يكون مصاحب لها هناك حيث تم تصويره بالصف العلوي بصحبتها يبحران بواسطة مركب صغيرة من البردي داخل قناة مايية ـ كذلك تسوية الارض وتمهيدها للزراعة ـ في الصف السفلي نشاهده واقف من امامها يقوم بحصاد القمح بينما تقوم زوجته "إنهاي" بجني الكتان - المشهد من برديتها المعروضة بالمتحف البريطاني بلندن يصور الفصل ١١٠ من كتاب الموتى (حقول إيارو).

دير المدينة

 


كتب الاثري شريف محمود 

في خلفية الصورة قرية دار الحق أو دير المدينة «ست ماعت».

 مش بس كانت جبانة لكبار الفنانين والصنايعية خلال عصر الدولة الحديثة لا دي كمان كانت المكان اللي عاشوا فيه رفقة اسرهم وعائلتهم. 

بيرجع الفضل في إنشاؤه للملك امنحتب الاول ووالدته الملكة العظيمة احمس نفرتاري علشان كدا تم تقديسهم داخل مجتمع عمال دير المدينة «ست ماعت» ودا كنوع من الإعتراف بفضلهم.

تخطيط المدينة عبارة عن شوارع بتفصل بين البيوت اللي بيختلف حجمها وتصميمها حسب الحالة المادية والمكانة الإجتماعية مش بس بيوت ومقابر دا كمان فيه معبد مخصص لممارسة الطقوس والعبادات مجتمع سكني متكامل المرافق مرت ألاف السنين ولازالت بقايا المكان شاهدة على عظمة المصري القديم وكونه سابق لعصره.

محكمة اوزير

 


كتب الاثري شريف محمود 

«ردي.سن إن.إي ماع ـ خرو إم وسخت ـ ماعتي» - [لعلهم يجعلونني صادق الصوت داخل قاعة ربتي العدالة].

جملة مدونة ضمن نصوص مقبرة «خرو.إف» بجبانة العساسيف في غرب الاقصر التي تتحدث عن رغبة المتوفى في الحصول على البراءة أمام قضاة محكمة العالم الاخر ال ٤٢ التي يرأسها أوزير فهذا هو الغرض في النهاية أن يكون من الاخيار المبرأين.

من مقبرة حور محب

 


كتب الاثري شريف محمود 

من اروع المشاهد المسجلة على جدران مقبرة قائد الجيش حورمحب في سقارة مشهد يصور مجموعة من الجنود يقومون بحمل عمود ثقيل على الأكتاف الكتلة معروضة بمتحف بولونيا الوطني.

 شوفوا إبداع المصري في تصوير حركة الجسم ومدى المعاناة من ثقل الوزن المحمول على الأكتاف جايز يكون تدريب قاسي للجنود زي تدريبات وحوش الصاعقة المصرية في الوقت الحالي.

عن معبد ابيدوس

 


كتب الاثري شريف محمود 

عن جمال نقوش معبد الملك رمسيس الثاني بابيدوس وإحتفاظها ببريقها وجمالها على الرغم من مرور ألاف السنين.

 حيث نشاهد حعبي الذي يجسد نهر النيل ازرق بلون بشرة أزرق سماوي يشير لمياه نهر النيل حيث يقدم خيرات البلاد من الخبز والطعام والفاكهة والنباتات بإسم الملك رمسيس الثاني نيابة عن إقليم دندرة «إيونت» عاصمة الإقليم السادس من اقاليم مصر العليا.

فأس إعح حتب

 


كتب الاثري شريف محمود 

»من تفاصيل فأس الحرب الخاصة بالملك «أحمس التي اهداها لوالدته الملكة «إعح حتب».

 الفأس معروضة بمتحف الأقصر للفن المصري القديم (شوفوا تفاصيل تأكيد وحدة الأرضين بواسطة ملوك التحرير بين الشمال والجنوب ـ حدوتة مصرية) في الأعلى نشاهد رمز ملايين السنين يعني دوام تأكيد سيطرة الملك على وحدة الأرضين من خلال الرجل الممسك بسعفتي النخيل اللتان تشيران للعام «رنبت»

والذي يقرأ «حح رنبوت» أي (ملايين السنين) في الصف الأوسط نشاهد كلاً من الربتين الحاميتين الكوبرا «وادجيت» أعلى راسها التاج الاحمر تاج الشمال تقف على سلة حمراء تجسد شمال مصر.

 أما في الجهة الاخرى فنشاهد أنثى النسر «نخبت» ترتدي التاج الابيض تمثل جنوب مصر واقفة أعلى سلة وجودهم معاً يكون احد القاب الملك الخمسة.

 وهو لقب المنتمي إلى السيدتين «نبتي» ثم في الاسفل نشاهد شعار الشمال البردي وشعار الجنوب اللوتس يشيران إلى شطري ارض مصر «تاوي».

2026-06-25

الإنسانية قبل كل شيء



 

دكتور محمد الشافعي 

من أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان في هذه الحياة أن يكون سببًا في إسعاد الآخرين، وأن يسعى إلى التخفيف عنهم ومساندتهم، ولو بكلمة طيبة أو موقف نبيل أو ابتسامة صادقة. فليست كل أشكال العطاء مادية، بل إن العطاء المعنوي قد يكون في كثير من الأحيان أكثر أثرًا وأعمق وقعًا في النفوس، لأنه يلامس القلب مباشرة ويمنح صاحبه شعورًا بالأمان والتقدير والاحتواء.

إن جبر الخواطر من أسمى صور الإنسانية، وإدخال السرور إلى قلوب الناس عمل نبيل لا يرتبط بدين أو عرق أو فكر أو انتماء، فالإنسانية الحقة لا تعترف إلا بالإنسان، ذلك الإنسان الذي يحمل قلبًا رحيمًا، ونفسًا محبة، وروحًا تتسع للناس جميعًا. وما أجمل أن يعيش المرء وهو يسعى إلى نشر الخير حيثما كان، فيترك وراءه أثرًا طيبًا وكلمة حسنة وذكرى جميلة.

ولعل أعظم ما يجنيه الإنسان من الإحسان إلى الآخرين هو ذلك الرضا الداخلي والصفاء النفسي الذي لا يُشترى بالمال ولا يُنال بالمظاهر. فحين يساعد المرء غيره، ويخفف عنه همًا، أو يزرع في نفسه الأمل، يشعر بأنه يؤدي رسالة سامية تمنحه السكينة والطمأنينة. ولذلك كان الإحسان في جوهره نفعًا متبادلًا؛ ينتفع به المحتاج وينعم به المحسن.

ومن الحكمة أن يحسن الإنسان حتى إلى من لا يحسن إليه، لا ضعفًا ولا استسلامًا، وإنما لأن أخلاقه لا ينبغي أن تكون رهينة بأخلاق الآخرين. فالمرء يعبر عن نفسه وقيمه ومبادئه، لا عن طبائع من حوله. ولذلك قيل إن الكرام يترفعون عن الإساءة، ويقابلون الجفاء بالحلم، ويواجهون القسوة بالرفق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

أما الانشغال الدائم بأخطاء الناس ونواياهم ومواقفهم، فلا يجلب إلا التعب والضيق. والحياة أقصر من أن تُهدر في تتبع الآخرين أو الانشغال بعقدهم وأمراضهم النفسية. فالأجدر بالإنسان أن يعيش مرتاح البال، صافي النفس، منشغلًا بإصلاح ذاته وبناء حياته، وأن يجعل من الخير منهجًا ومن التسامح أسلوبًا ومن العطاء رسالة.

وكل إنسان يستطيع أن يمارس هذا الدور من خلال مهنته وموقعه في المجتمع. فالأستاذ الجامعي، على سبيل المثال، لا يقتصر دوره على نقل المعرفة فحسب، بل يمتد إلى بناء الإنسان وصناعة الأمل في نفوس طلابه. ومن هنا فإن الأستاذ الناجح هو الذي يجمع بين العلم والرحمة، وبين الحزم والإنصاف، وبين التوجيه والاحتواء.

فليكن الأستاذ قريبًا من طلابه، يحترمهم ويحفظ كرامتهم، ويقدر ظروفهم، ويجعل العملية التعليمية وسيلة للفهم لا أداة للإرهاق. وليحرص على أن يكون مباشرًا وواضحًا في تدريسه، بعيدًا عن التعقيد غير المبرر، وأن يخفف عن طلابه ما أمكن من الضغوط والتوتر دون الإخلال بجودة التعليم. فالغاية ليست تعجيز الطالب، وإنما تمكينه من العلم وتنمية قدراته.

إن الامتحان الحقيقي للأستاذ ليس في صعوبة أسئلته، بل في قدرته على إيصال المعرفة، وفي نجاح طلابه في فهمها واستيعابها.

 كما أن الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والاستجابة لطلب محتاج، قد تترك في نفس الطالب أثرًا يبقى سنوات طويلة بعد انتهاء الدراسة.

وفي النهاية، يبقى الخير هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، وتبقى الرحمة هي الجسر الأقصر إلى القلوب. فكن صاحب قلب رحيم، ونفس سمحة، ويد ممدودة بالعون ما استطعت، واجعل من وجودك في حياة الآخرين مصدرًا للراحة لا للمعاناة، وللأمل لا للإحباط. فربما كانت كلمة منك سببًا في سعادة إنسان، وربما كان موقف بسيط سببًا في تغيير حياة كاملة، وما أعظم أن يترك الإنسان وراءه أثرًا من الخير والمحبة والإنسانية.

2026-06-24

لأنك تُحَب

 

دكتور محمد الشافعي 

بين من يحبك لأنك تُحَب، ومن يكرهك لأنك تُحَب

في الحياة نلتقي بأصناف شتى من الناس، تختلف دوافعهم وتتنوع مشاعرهم، لكن يبقى أكثر ما يلفت الانتباه أن بعض الناس يحبونك لأنك ببساطة إنسان جدير بالمحبة، بينما يكرهك آخرون للسبب نفسه.

هناك أناس يمتلكون قلوبًا نقية، فإذا رأوا شخصًا يحظى باحترام الآخرين وتقديرهم، فرحوا له كما يفرحون لأنفسهم. لا يشعرون بأن نجاحه ينتقص من نجاحهم، ولا يرون في محبة الناس له تهديدًا لمكانتهم. هؤلاء يدركون أن المحبة رزق، وأن القلوب لا تجتمع على شخص إلا لما فيه من خصال حسنة أو مواقف نبيلة أو معاملة طيبة. ولذلك يبادلون المحبوب وُدًّا بود، واحترامًا باحترام، فتتسع دائرة المودة بين الناس.

وفي المقابل، هناك من تضيق نفوسهم برؤية إنسان يحظى بالقبول. فكلما رأوا الناس تلتف حوله، ازداد في صدورهم الضيق. لا يبحثون عن عيوبه لأنهم يريدون الإصلاح، بل لأنهم يريدون هدم الصورة الجميلة التي رسمتها له القلوب. يزعجهم أن يُذكر بخير، ويؤلمهم أن يُشاد به، فيتحول نجاحه عندهم إلى تهمة، ومحبته إلى ذنب، وتميزه إلى سبب للعداء.

والحقيقة أن المشكلة هنا لا تكون في الشخص المحبوب، بل في النفوس التي لم تتصالح مع ذاتها. فالإنسان الواثق من نفسه لا تؤذيه نجاحات الآخرين، ولا تزعجه مكانتهم، بل ربما وجد فيها دافعًا للتطوير والتعلم. أما من امتلأ قلبه بالحسد والمقارنات المستمرة، فإنه يرى في كل نجاح لغيره خسارة له، وفي كل محبة ينالها الآخرون حرمانًا شخصيًا.

ومن حكمة الحياة أن الإنسان لا يستطيع أن يجمع الناس جميعًا على حبه، مهما بلغت أخلاقه أو حسنت نواياه. فحتى أكثر الشخصيات احترامًا عبر التاريخ كان لها محبون وكارهون. لذلك لا ينبغي أن ينشغل المرء كثيرًا بمن يكرهه بلا سبب، بقدر ما ينبغي أن يحافظ على استقامته وأخلاقه وصدقه مع نفسه.

إن محبة الناس نعمة جميلة، لكنها ليست المقياس الوحيد لقيمة الإنسان. أما الكراهية التي تنشأ فقط لأن الآخرين يحبونك، فهي في الغالب تعبير عن أزمة داخل صاحبها أكثر مما هي حكم عليك. ولهذا فإن أفضل ما يمكن للمرء أن يفعله هو أن يستمر في طريقه، محافظًا على خلقه، مترفعًا عن الصغائر، مؤمنًا بأن القلوب الصادقة تعرف طريقها إلى أصحاب النفوس الطيبة، وأن الشمس لا تتوقف عن الإشراق لأن بعضهم يضيق بنورها.

"حين تتحول البديهيات إلى اكتشا

 




دكتور محمد الشافعي 

في عالم كرة القدم لا خلاف على أن الفوز هدف مشروع، بل هو الغاية التي تسعى إليها الفرق في كل مباراة وكل بطولة. فالانتصار يمنح الثقة، ويقرب من منصات التتويج، ويزرع البهجة في نفوس الجماهير. لكن اللافت للنظر أن بعض الانتصارات تتحول إلى حالة من الاحتفال المبالغ فيه، وكأن الفريق قد فتح القسطنطينية أو حقق إنجازاً غير مسبوق في تاريخ البشرية، فتتواصل الأفراح لساعات وأيام، ليس بين الجماهير فحسب، بل أحياناً بين اللاعبين أنفسهم بصورة تدعو إلى التأمل والتساؤل.

والحقيقة أن كرة القدم أصبحت محاطة بكم هائل من علامات الاستفهام والتعجب، ليس فقط فيما يتعلق بأحداث المباريات، بل كذلك بما يدور في الاستديوهات التحليلية قبل اللقاءات وبعدها، فضلاً عن التصريحات التي تصدر عن اللاعبين والمدربين. وكثير من هذه الأحاديث يكشف عن ضحالة في الفكر، وفقر في الثقافة، ومبالغات لا تتناسب مع حجم الحدث الحقيقي.

ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما قيل عقب إحدى المباريات، حين أجمع المحللون على أن الشوط الأول كان مغايراً تماماً للشوط الثاني. فقد ظهر الفريق بأداء ضعيف ومتواضع في البداية، ثم تبدل الحال كلياً بعد الاستراحة، وتحسن الأداء بصورة واضحة. وهنا انطلقت التساؤلات والتحليلات، وبدأت العقول تعمل في كل اتجاه بحثاً عن السر الكامن وراء هذا التحول المفاجئ.

راح المحللون يضربون أخماساً في أسداس، ويتساءلون عن التعليمات الفنية العبقرية التي ألقاها المدرب بين الشوطين، والتي قلبت الموازين وغيرت وجه المباراة. فمنهم من افترض أن المدرب أجرى تعديلاً تكتيكياً بالغ الدقة، ومنهم من ظن أنه نجح في قراءة أفكار المدرب المنافس ووضع خطة مضادة أربكت حساباته، وآخرون تحدثوا وكأنهم أمام اكتشاف علمي سيغير مفاهيم التدريب الحديثة.

بل إن بعضهم أوحى للمشاهدين بأنه يمتلك السبق في معرفة ما جرى داخل غرفة الملابس بين الشوطين، وأنه على وشك كشف أسرار النجاح التي صنعت هذا التحول الكبير.

لكن المفاجأة جاءت صادمة لكل هذا البناء النظري الضخم.

فحين سُئل عن حقيقة ما قيل للاعبين بين الشوطين، لم يكن الأمر تغييراً تكتيكياً معقداً، ولا خطة سرية محكمة، ولا قراءة استثنائية للمنافس. وإنما كانت الكلمات على النحو الآتي:

«العبوا رجالة... عاوزكم تاكلوا النجيلة... عاوزكم تفرحوا الجماهير دي... وما يروحوش زعلانين».

هكذا بكل بساطة.

وهنا يحق للمرء أن يتساءل: أين تلك العبقرية التدريبية التي شغلوا بها الناس؟ وأين تلك الأسرار الفنية التي استهلكت ساعات طويلة من التحليل والتفسير؟ وأين تلك النظريات التي نُسجت حول دقائق معدودة قضاها اللاعبون بين الشوطين؟

إن المشكلة ليست في كلمات التحفيز ذاتها، فهي مطلوبة في كل مجال، وإنما في حالة التهويل التي تحيط بكرة القدم، وفي الإصرار على صناعة بطولات وهمية وأحداث استثنائية من مواقف عادية للغاية. فبدلاً من التعامل مع اللعبة بوصفها نشاطاً رياضياً وترفيهياً، نجد من يحاول إحاطتها بهالة من القداسة الفكرية التي لا تستند في كثير من الأحيان إلى أي مضمون حقيقي.

ولذلك فإن بعض ما نشاهده في الاستديوهات التحليلية لا يكشف لنا عن أسرار كرة القدم بقدر ما يكشف عن أزمة في طريقة تناولها، حيث تتحول البديهيات إلى اكتشافات، والكلمات العادية إلى نظريات، والتصريحات البسيطة إلى مادة لا تنتهي من الجدل والتحليل.

وعند هذه النقطة أتوقف عن التعليق، وأترك للقارئ الكريم أن يصدر حكمه بنفسه على هذا المشهد، وأن يقرر ما إذا كنا أمام تحليل رياضي جاد، أم أمام صورة من صور السخف التي أفرزتها المبالغة في التعامل مع لعبة كان من المفترض أن تبقى مجرد لعبة.

وأرجو أن ينتبه الناس الي الهدف من كل هذا الهراء هو تسطيح ذوق المشاهد" الذي أصبح يتقبل هذا العبث كأنه تحليل علمي.

2026-06-23

مولد سيدي كأس العالم

 

دكتور محمد الشافعي 

إذا أردت أن تعرف حجم قدرة الإعلام على تشكيل العقول، فانظر إلى كأس العالم. حدث رياضي لا يضيف إلى رصيد البشرية علماً، ولا يحل أزمة من أزماتها، ولا يداوي فقراً أو جهلاً أو مرضاً، ومع ذلك تتوقف أمامه الحياة عند ملايين البشر، وتتجه إليه الأبصار والقلوب والعقول وكأنه أعظم حدث عرفته الإنسانية. لقد نجح صناع هذه اللعبة في تحويل كرة من الجلد إلى معبود معنوي حديث، تلتف حوله الجماهير، وتشتعل من أجله الخصومات، وتُهدر في سبيله الأوقات والأموال والمشاعر، حتى بات كثير من الناس يعرفون أسماء اللاعبين أكثر مما يعرفون أسماء العلماء والمفكرين وأصحاب الإنجازات الحقيقية.

ولكل أمة مواسمها التي تحتشد فيها الجماهير، غير أن العالم المعاصر نجح في صناعة موسم يتجاوز الحدود واللغات والأديان والثقافات، حتى صار حدثاً يكاد يطغى على كثير من القضايا المصيرية التي تمس حياة الإنسان ومستقبله، ذلك هو كأس العالم.

لقد استطاعت الآلة الإعلامية الضخمة، عبر عقود طويلة، أن تجعل من كرة القدم الحدث الأهم في وجدان ملايين البشر، وأن تحول لعبة في أصلها وسيلة للترفيه والرياضة إلى صناعة عالمية هائلة تدور حولها الأموال والإعلانات والاستثمارات والمصالح. ولم يعد الأمر مقتصراً على مباراة تُلعب في ملعب، بل أصبح منظومة متكاملة تستحوذ على العقول والمشاعر والأوقات.

ولست من خصوم الرياضة، ولا ممن ينكرون فوائدها الجسدية والنفسية، لمن يمارسها، بل أرى فيها وسيلة راقية للمحافظة على الصحة وتنمية روح المنافسة الشريفة والترويح عن النفس. غير أن الاعتراض ينصب على ذلك التحول الذي جعل الإنسان يتخلى عن مكانته الفكرية والوجدانية ليذوب في كيان الجماهير، فيفرح فرحاً عارماً لهزيمة فريق وينهار حزناً لخسارته، وكأن مصيره الشخصي قد ارتبط ارتباطاً كاملاً بنتيجة مباراة أو هدف أحرزه لاعب لا يعرفه ولن يعرفه.

إن أكثر ما يثير التأمل في هذه الظاهرة هو ذلك المشهد الذي يتكرر مع كل بطولة كبرى؛ ملايين الساعات تُستهلك في المتابعة، وملايين العقول تنشغل بالتوقعات والتحليلات والمناقشات التي لا تغير من واقع الناس شيئاً. وتتحول الكرة الجلدية الصغيرة إلى محور اهتمام يتقدم عند كثيرين على شؤونهم العلمية والثقافية والاجتماعية، بل وعلى واجباتهم الدينية أحياناً.

إن القضية ليست في مباراة تُشاهد أو فريق يُشجع، وإنما في مقدار ما يسمح الإنسان لهذه الظواهر أن تستولي على وقته وعقله ومشاعره. فالإنسان خُلق ليكون صاحب رسالة وفكر وإرادة، لا مجرد رقم في حشد هائل يصفق لهذا الفريق أو ذاك. وكلما ازداد وعي المرء بقيمته الحقيقية، أدرك أن التوازن هو السبيل الأمثل؛ فيمارس الرياضة ويستمتع بالمشاهدة إن شاء، لكن دون أن يسمح لها بأن تصبح محور حياته أو مقياس سعادته وحزنه.

وما نشهده في بطولات العالم الموسعة اليوم يجسد هذه الحالة بوضوح؛ عشرات المنتخبات تتنافس، ومئات الملايين يتابعون حتى ساعات الفجر الأولى، ويعيدون ترتيب حياتهم اليومية وفق مواعيد المباريات. وليس مستغرباً أن ترى المقاهي مكتظة بالمتابعين في أوقات متأخرة من الليل، بينما تبدو أماكن أخرى أولى بالاهتمام أقل ازدحاماً وأضعف حضوراً.

إن الأمم لا تنهض بكثرة المشجعين، وإنما تنهض بكثرة العلماء والمفكرين والمبدعين وأصحاب الرسالات. أما الجماهير التي تستهلك أوقاتها في المتابعة وحدها، فإنها تمنح الآخرين أسباب القوة بينما تكتفي هي بالتصفيق من المدرجات.

ولعل أعظم ما يحتاجه الإنسان اليوم هو أن يستعيد قدرته على التمييز بين ما يُسليه وما يبني حياته، وبين ما يملأ وقته وما يضيف إلى قيمته. فليست المشكلة في الكرة، وإنما في أن تتحول الكرة إلى قضية، بينما تضيع القضايا الحقيقية في زحام الهتافات.

2026-06-21

أساتذة صنعوا ملامح العمر


دكتور محمد الشافعي 

يمضي الإنسان في حياته، وتتزاحم الوجوه والأسماء والأحداث، غير أن هناك أشخاصًا يتركون في الروح أثرًا لا تمحوه السنون، ويظلون حاضرين في الذاكرة رغم تعاقب الأعوام وتبدل الأحوال. ومن بين هؤلاء يظل المعلمون أصحاب المكانة الأرفع، لأنهم لا يكتفون بتعليم الدروس، بل يشاركون في تشكيل الشخصية وصناعة الملامح الأولى للإنسان.

وعلى مدار مراحل التعليم المختلفة، أذكر عددًا من أساتذتي الذين كانت لهم بصمة واضحة في تكوين شخصيتي، وكان لهم فضل لا أنساه ما حييت.

في المرحلة الابتدائية كانت البداية مع أستاذتي الأولى "ميس أنجيل"، تلك السيدة الفاضلة التي كانت تؤدي دور الأم مع جميع التلاميذ، وإن كنت أرى أنني كنت الأوفر حظًا من رعايتها وعطفها. كانت صاحبة قلب كبير وحنان نادر، حتى إنها كانت تهوى صناعة الجوانتيات الصوف والبلوفرات التي كان يطلق عليها آنذاك اسم "شيرز". وقد صنعت لي بنفسها جوانتي و"شيرز" كنت أعتز بهما اعتزازًا شديدًا، وكانا هدية خاصة منها لم أرها تقدم مثلها لأحد غيري. وزاد من تلك الصلة أنني كنت صديقًا لابنها أيضًا، فكانت العلاقة تتجاوز حدود المدرسة إلى مساحة أوسع من المودة والاهتمام.

ثم جاءت "ميس عواطف"، صاحبة الشخصية القوية الصارمة، التي كانت تجمع في آن واحد بين الحزم والعطف. وكانت مثالًا للمعلمة التي تفرض الاحترام دون أن تفقد إنسانيتها. ولعلي اكتسبت منها هذه القدرة على الجمع بين القوة والرحمة، وهي صفة لازمتني في كثير من مراحل حياتي.

ومن الشخصيات التي لا يمكن أن أغفلها الأستاذ "الدسوقي"، ذلك الإنسان المحترم الهادئ الوقور، الذي كان نموذجًا للأخلاق والاتزان. وكان ابنه زميلًا لنا في الفصل، فازدادت معرفتنا به قربًا، وظل في ذاكرتي مثالًا للرجل المهذب الذي يترك أثره بالفعل قبل القول.

وفي المرحلة الابتدائية أيضًا كانت أولى خطواتي فوق خشبة المسرح. فقد قام مدرس التربية العملي بإعداد احتفال لعيد الأم، واختارني لأكون بطل المسرحية التي حملت عنوان "دكتور بالعافية". وفي تلك المسرحية قدمت دور البطولة، وكانت تلك التجربة أول نافذة أطل منها على عالم التمثيل والمسرح، ذلك العالم الذي سيظل قريبًا من قلبي طوال العمر.

ثم انتقلت إلى المرحلة الإعدادية، وهي مرحلة كانت حافلة بالأنشطة والتجارب التي أسهمت في صقل شخصيتي بصورة كبيرة.

ولا يمكنني أن أنسى الأستاذ "عبد العزيز"، مدرس التربية الرياضية، ذلك الشاب الاسكندراني الأنيق المهذب الذي احتضنني منذ اليوم الأول لدخولي المدرسة. وربما كان لذلك علاقة بحصولي على المركز الأول على مستوى المحافظة في الشهادة الابتدائية، مع وجود الأول مكرر معي في المدرسة نفسها. 

لقد آمن الأستاذ عبد العزيز بقدراتي، وأشركني في العديد من الأنشطة الرياضية والتربوية، فأدخلني فريق الكشافة، وجعلني رئيسًا له أو – بالمصطلح الكشفي – "العريف الأول". كما أسند إليَّ مهمة الإذاعة المدرسية، فكانت تلك المنصة أولى منابر التألق والإبداع بالنسبة لي.

ومن خلال الأنشطة الكشفية شاركت في منافسات على مستوى الجمهورية، واستطعت أن أحصل على لقب "الكشاف الأول على مستوى الجمهورية"، وهو إنجاز أعتز به كثيرًا. كما اكتشف الأستاذ عبد العزيز سرعتي في الجري، فدفعني إلى الاشتراك في مسابقات ألعاب القوى. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شاركت أيضًا منذ الفرقة الثانية الإعدادية في مسابقات الرسم، وحصلت على عدد من المكافآت وشهادات التقدير، فكانت تلك المرحلة بحق مرحلة خصبة بالنشاط والإبداع والنجاح.

أما على المستوى العلمي، فقد كان هناك عدد من المعلمين الذين لا يمكن أن أنساهم.

في مقدمتهم الأستاذة "روحاء"، مدرسة العلوم، ذلك الملاك الراقي الأنيق الذي جمع بين العلم والأخلاق والذوق الرفيع. وقد اختارتني ممثلًا للمدرسة في المسابقات التعليمية إلى جانب زميلي النابغة "عمرو سعيد". وكان عمرو من الطلاب الذين كنت أنبهر دومًا بتفوقهم، كما كان هو الآخر يسعد لتفوقي. ولم تنشأ بيننا خصومة أو منافسة سلبية قط، بل كانت علاقة قائمة على الاحترام والتقدير المتبادل.

وكان معنا طالب ثالث شديد النبوغ أيضًا، فشكلنا ثلاثيًا متميزًا في المدرسة. وكان تفوقي يميل أكثر إلى المواد العلمية والرياضيات، بينما كان عمرو متفوقًا في اللغة الإنجليزية والمواد الاجتماعية، فكان بيننا تكامل جميل ومحبب. وبفضل هذا التكامل والثقة والهدوء، حصدنا معظم المسابقات التي شاركنا فيها، وحققنا نجاحات متتالية رفعت اسم المدرسة في أكثر من مناسبة.

وفي نهاية المرحلة الإعدادية حصلت على المركز الأول على المدرسة، بينما جاء عمرو سعيد في المركز الثاني بفارق درجات معدودة، وإن كنت أرى – بكل صدق – أنه كان يستحق كل تقدير، وكان طالبًا متميزًا بحق، وكان جديرا بالمركز الأول بدلا مني.

ومن المعلمات اللاتي كان لهن أثر بالغ في حياتي الأستاذة "أليس"، التي تبنت موهبتي وقدراتي في الرياضيات، وآمنت بها إلى درجة أنها كانت تتحدى بي أي مدرس زميل لها. وقد منحتني ثقة كبيرة بنفسي، وأسهمت في ترسيخ حبي لهذه المادة وتفوقي فيها.

ثم جاءت المرحلة الثانوية، حيث واصل عدد من الأساتذة الكرام دعمهم وتشجيعهم لي. ومن أبرزهم الأستاذ "إبراهيم" مدرس الرياضيات العبقري، والأستاذ "محمد حبيب" مدرس الرياضيات ذو الخبرة العريضة أيضًا، بالإضافة إلى أساتذة الكيمياء والفيزياء الذين قدموا لي العون والمساندة، وأسهموا في بناء شخصيتي العلمية وتعزيز قدراتي الدراسية.

كما كان للأستاذ "أشرف"، مدرس التربية الرياضية وكذلك كان مدرس اللغة الفرنسية أيضا، دور مهم ومؤثر خلال تلك المرحلة، بما قدمه من دعم وتشجيع ومتابعة.

ولا يمكن أن أختتم هذه الذكريات دون أن أذكر الأستاذ "أحمد أبو زيد" مدير المدرسة، الذي كان يضعني دائمًا في الصدارة خلال اللقاءات والأنشطة المدرسية، ويمنحني الثقة والمسؤولية. لقد كان نعم الأب ونعم القائد، وكان حضوره التربوي والإداري مصدر إلهام لكثير من الطلاب.

إن هؤلاء جميعًا لم يكونوا مجرد معلمين مروا في حياتي، بل كانوا شركاء حقيقيين في صناعة شخصيتي وتشكيل وجداني. ومن الوفاء أن نذكر أصحاب الفضل، ومن العدل أن نعترف بأن كثيرًا مما وصلنا إليه لم يكن ثمرة جهدنا وحدنا، بل كان وراءه معلمون عظماء آمنوا بنا قبل أن نؤمن بأنفسنا.

تحية تقدير وامتنان لكل أستاذ ومعلم ترك أثرًا طيبًا في حياة تلميذ، وتحية خاصة لأولئك الذين ما زالت أسماؤهم محفورة في قلبي رغم مرور كل تلك السنوات.

2026-06-20

قيمة الإنسان

 

دكتور محمد الشافعي 

لا يُقاس الإنسان بما يملك من مال، ولا بما يتزين به من مظهر، ولا بما يدّعيه من مكانة، وإنما يُعرف قدره الحقيقي من خلال أخلاقه وسلوكه وكلماته. فالكلمة مرآة العقل، والحديث ترجمان الشخصية، وما يخرج من اللسان يكشف في كثير من الأحيان ما تخفيه النفوس.

ومن الأمور التي تُنقص من قيمة المرء بين الناس كثرة الكلام بغير فائدة، فالإنسان الحكيم يزن كلماته قبل أن ينطق بها، ويعلم أن الصمت في مواضع كثيرة أبلغ من الحديث. أما الإغراق في الكلام، والخوض في كل شأن، والتعليق على كل أمر، فإنه يفقد صاحبه هيبته ويجعل حديثه قليل الأثر مهما كان صوابه.

وكذلك كثرة الضحك على غير مقتضى، فإن الاعتدال زينة في كل شيء. فالابتسامة الصادقة خلق جميل، والروح المرحة محبوبة، لكن الإفراط في الضحك قد يُذهب الوقار ويجعل الآخرين لا يأخذون صاحبها مأخذ الجدية والاحترام. وقد قيل قديماً إن لكل مقام مقالاً، ولكل موقف ما يناسبه من الجد أو المزاح.

أما الكذب، فهو من أكثر الصفات التي تهدم مكانة الإنسان مهما ارتفعت منزلته. فالناس قد يغفرون الخطأ، وقد يتجاوزون عن التقصير، لكنهم نادراً ما يثقون مرة أخرى بمن اعتاد الكذب. والثقة تُبنى على مدى سنوات طويلة، وقد ينهار بنيانها بكذبة واحدة.

وتأتي النميمة لتكمل هذا المسار المؤسف، فهي لا تفسد العلاقات فحسب، بل تكشف عن ضيق الأفق وضعف المروءة. فالذي ينقل الكلام بين الناس ليفسد بينهم يظن أنه يكسب القرب من هذا أو ذاك، بينما هو في الحقيقة يفقد احترام الجميع. فالناس قد يستمعون إلى النمام، لكنهم لا يأتمنونه.

إن قيمة الإنسان الحقيقية ترتفع حين يكون قليل الكلام إلا فيما ينفع، معتدلاً في مزاحه وضحكه، صادقاً في حديثه، حافظاً لألسنة الناس وكراماتهم. فهذه الصفات ليست مجرد أخلاق حسنة، بل هي رأس مال اجتماعي ومعنوي يجعل لصاحبها مكانة راسخة في القلوب قبل العقول.

وفي النهاية، يبقى الإنسان رهين ما يصدر عنه، فاللسان بابٌ إلى الرفعة كما أنه طريق إلى السقوط. ومن أراد أن يحفظ قدره بين الناس، فليحفظ كلماته، وليجعل الصدق شعاره، وحسن الخلق دثاره، فبذلك تُبنى المكانة الحقيقية التي لا تشتريها الأموال ولا تصنعها المظاهر.

التوك توك خارج أسوار المدينة

 

مهندس عاصم شاكر 

التوك توك بين الحاجة والفوضى

لا يختلف اثنان على أن وسائل النقل وجدت لخدمة الإنسان وتيسير حياته، غير أن بعض الوسائل التي ظهرت في ظروف معينة قد تتحول مع مرور الوقت إلى مصدر للمشكلات إذا خرجت عن نطاق الحاجة التي أوجدتها. ومن أبرز هذه الوسائل مركبة "التوك توك" التي انتشرت في ربوع مصر انتشاراً واسعاً خلال السنوات الماضية، حتى أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في كثير من المدن والقرى على السواء.

ولعل أحداً لا ينكر أن هذه المركبة أدت دوراً مهماً في بعض المناطق الريفية والشوارع الضيقة التي يصعب على وسائل النقل التقليدية الوصول إليها، فلبّت احتياجات المواطنين وساهمت في توفير فرص عمل لعدد من الشباب. غير أن ما قد يكون مناسباً للقرى والنجوع ليس بالضرورة مناسباً للمدن الكبرى وشوارعها الرئيسية.

ففي المدن، تحول التوك توك في كثير من الأحيان إلى أحد أسباب الفوضى المرورية والازدحام، نتيجة غياب الانضباط وافتقار عدد كبير من سائقيه إلى التدريب الكافي أو الالتزام بقواعد المرور. كما أدى انتشاره العشوائي إلى تشويه المظهر الحضاري للمدينة وإعاقة حركة السير، فضلاً عما يسببه من ضوضاء ومخاطر متكررة على المشاة وقائدي المركبات الأخرى.

إن المدينة الحديثة تحتاج إلى منظومة نقل منظمة وآمنة تتناسب مع كثافة الحركة المرورية ومتطلبات الحياة الحضرية، ولا يمكن أن تستقيم هذه المنظومة في ظل الانتشار غير المنضبط لمركبات صغيرة صممت في الأصل لخدمة بيئات مختلفة. ولذلك فإن قصر استخدام التوك توك على القرى والمناطق التي تقتضي طبيعتها وجوده يبدو أمراً منطقياً ومتوافقاً مع المصلحة العامة.

ولا يعني ذلك حرمان العاملين عليه من مصدر رزقهم، بل يمكن للدولة أن تعمل على توفير بدائل أكثر أماناً وتنظيماً، كالمركبات المرخصة أو وسائل النقل الخفيفة التي تلتزم بالمعايير القانونية والفنية المطلوبة، بما يحفظ حقوق العاملين ويحقق في الوقت نفسه الانضباط المروري والمظهر الحضاري للمدن.

إن تطوير المدن لا يقتصر على بناء الطرق والكباري فحسب، بل يشمل أيضاً تنظيم وسائل النقل العام والخاص بما يحقق الأمن والسلامة والانسياب المروري. ومن هنا فإن إعادة النظر في وجود التوك توك داخل المدن أصبحت ضرورة تفرضها اعتبارات النظام والذوق العام واحترام حق المواطنين في مدينة أكثر تنظيماً وجمالاً.عنوان مقترح:

العدالة الغائبة في قلعة العلم

 

دكتور محمد العوادي 

تُعد الجامعة في وجدان المجتمع قلعةً للعلم والمعرفة، ومنارةً للفكر والتنوير، ومؤسسةً يُفترض أن تقوم على معايير العدل والشفافية وتكافؤ الفرص. غير أن الواقع في كثير من الأحيان يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى تحقق هذه المبادئ داخل بعض المؤسسات الجامعية، خصوصًا فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية لأعضاء هيئة التدريس وآليات توزيع الموارد المالية.

فمن غير المنطقي أن يحمل الأستاذ الجامعي أمانة إعداد الأجيال وصناعة العقول، ثم يجد نفسه في مواجهة راتب لا يتناسب مع مكانته العلمية ولا مع دوره المجتمعي. إن الأستاذ الجامعي لا يؤدي وظيفة عادية، بل يضطلع برسالة تتطلب سنوات طويلة من الدراسة والبحث والتأهيل، الأمر الذي يجعل تحسين أوضاعه المادية ضرورة لا رفاهية.

وإذا كان ضعف الرواتب يمثل أحد أوجه المشكلة، فإن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية يتعلق بالبرامج التعليمية المميزة وما تدره من عوائد مالية متفاوتة. 

فبعض هذه البرامج تستقطب أعدادًا كبيرة من الطلاب، مما ينعكس على حجم الموارد المتحصلة منها، سواء من الرسوم الدراسية أو من المواد التعليمية المرتبطة بها. وفي المقابل توجد أقسام أكاديمية أخرى تؤدي رسالتها العلمية بنفس الجدية والكفاءة، لكنها لا تحظى بنفس الأعداد أو الموارد.

وينشأ عن هذا الواقع تفاوتٌ كبير بين أعضاء هيئة التدريس، ليس بالضرورة بسبب اختلاف في الكفاءة أو التميز العلمي، وإنما نتيجة اختلاف طبيعة البرامج وأعداد الطلاب وآليات الاختيار للتدريس فيها. 

وهنا يبرز السؤال: هل ينبغي أن يرتبط الدخل الإضافي للأستاذ الجامعي بعوامل قد لا تكون مرتبطة مباشرة بجهده العلمي أو قدراته الأكاديمية؟

إن العدالة المؤسسية تقتضي البحث عن صيغ أكثر توازنًا تضمن حياة كريمة لجميع أعضاء هيئة التدريس، وتحد من الفجوات الواسعة التي قد تنشأ بينهم. 

ومن بين المقترحات التي تستحق النقاش إعادة النظر في هيكل الرواتب الأساسية بما يحقق زيادة حقيقية تتناسب مع قيمة الأستاذ الجامعي ومكانته، واقترح أن يزيد بمعدل اربع مرات عن الوضع الحالي.

 مع دراسة آليات أكثر عدالة لتوزيع جزء من العوائد المالية الناتجة عن البرامج المميزة والكتاب الجامعي.

فبدلًا من أن تتركز الاستفادة في نطاق محدود، يمكن توجيه نسبة كبيرة من هذه الموارد لدعم منظومة الرواتب والمزايا لجميع أعضاء هيئة التدريس، باعتبار أن نجاح أي برنامج جامعي هو في النهاية ثمرة جهد المؤسسة بأكملها، وليس جهد أفراد بعينهم. 

كما يمكن تخصيص نسبة أخرى توزع بصورة عادلة بين أعضاء هيئة التدريس على مستوى الجامعة، بما يعزز الشعور بالشراكة والانتماء ويحد من مظاهر التفاوت المفرط.

إن الجامعة القوية لا تُبنى بالمباني وحدها، ولا بالبرامج المميزة فقط، وإنما تُبنى أولًا بالإنسان الذي يقف في قاعة الدرس ومعمل البحث ومكتب الإشراف العلمي. وعندما يشعر الأستاذ الجامعي بأن العدالة حاضرة، وأن التقدير المادي والمعنوي يوازي حجم عطائه، يصبح أكثر قدرة على الإبداع والإنتاج وخدمة طلابه ووطنه.

فالعدالة داخل الجامعة ليست مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل هي استثمار حقيقي في مستقبل التعليم نفسه، لأن إنصاف المعلم هو الخطوة الأولى نحو بناء مؤسسة علمية أكثر قوةً وتأثيرًا واستقرارًا.

2026-06-19

الإعلام مهنة من لا مهنة له

 

دكتور محمد الشافعي 

في خضم التزاحم الهائل الذي تشهده وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، يجد المرء نفسه أمام سيلٍ لا ينقطع من المحتويات والآراء والتعليقات والبثوث المباشرة، حتى بات من الصعب التمييز بين الإعلامي الحقيقي وصانع الضجيج، وبين صاحب الرسالة وصاحب المصلحة.

لقد كانت مهنة الإعلام في الماضي من المهن التي تتطلب إعداداً ومعرفة وثقافة وخبرة، وكان الوصول إلى الجمهور يمر عبر مراحل من التأهيل والاختبار والتدرج المهني. أما اليوم فقد أزالت وسائل التواصل كثيراً من الحواجز، وهو أمر يحمل جانباً إيجابياً يتمثل في إتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن آرائهم، لكنه في المقابل فتح الباب على مصراعيه أمام أعداد هائلة من الأشخاص الذين اقتحموا المجال دون امتلاك الحد الأدنى من أدواته أو أخلاقياته.

فكل لحظة يظهر بلوجر جديد أو صانع محتوى جديد يقدم مادة لا تحمل في كثير من الأحيان قيمة معرفية أو ثقافية أو إنسانية حقيقية، بل تقوم على الإثارة والجدل واستفزاز المشاعر وجذب المشاهدات. والأخطر من ذلك أن أساليب التقديم أصبحت في أحيان كثيرة بعيدة عن الذوق العام، وتفتقر إلى الاحترام والرقي، حتى صار البعض يعتقد أن رفع الصوت أو افتعال المشكلات أو اقتحام خصوصيات الناس هو الطريق الأسرع إلى الشهرة.

والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي يدفع شخصاً يفتقر إلى المعرفة والخبرة والتخصص إلى أن ينصب نفسه موجهاً للرأي العام أو مؤثراً في عقول الناس؟ وكيف يرى نفسه مؤهلاً للحديث في السياسة والاقتصاد والتاريخ والطب وعلم النفس في الوقت ذاته؟ إن الجرأة على الظهور لا تعني امتلاك الكفاءة، وكثرة المتابعين لا تعني صحة ما يُقال.

ولا يخفى على أحد أن الدافع الأساسي لدى كثير من هؤلاء أصبح تحصيل الأموال وحصد الإعلانات والمشاهدات، حتى تحولت بعض المنصات إلى أسواق ضخمة للفت الانتباه بأي وسيلة كانت، بغض النظر عن القيمة أو الرسالة أو المسؤولية.

أما الإعلام الرسمي والتليفزيوني، الذي كان من المفترض أن يكون أكثر التزاماً بالمهنية والمعايير، فقد وقع هو الآخر في كثير من الأحيان في فخ المنافسة على نسب المشاهدة، فتراجعت البرامج الثقافية والفكرية والعلمية، وازدادت المساحات المخصصة للصخب والجدل والموضوعات السطحية. 

وأصبح بعض مقدمي البرامج نجوماً قبل أن يكونوا إعلاميين، وانشغل بعضهم بصناعة الصورة أكثر من انشغاله بصناعة الوعي.

إن المشكلة الحقيقية ليست في تعدد المنصات ولا في حرية التعبير، فهاتان من مكتسبات العصر، وإنما في غياب المعايير التي تميز بين الإعلام بوصفه رسالة ومسؤولية، وبين المحتوى بوصفه وسيلة لجذب الانتباه وتحقيق الأرباح.

ويبقى المجتمع في حاجة دائمة إلى إعلام حقيقي يحترم عقل المتلقي، ويقدم المعرفة قبل الإثارة، والحقيقة قبل الشهرة، والقيمة قبل الربح. فالأمم لا تبنى بالضجيج، وإنما تبنى بالكلمة الصادقة والفكر الرصين والوعي المستنير.

واؤكد أن رؤيتي الأساسية ليست رفض الإعلام الجديد في حد ذاته، بل الاعتراض على غياب المعايير المهنية وهيمنة السعي وراء المشاهدات والأموال على حساب القيمة الحقيقية للمحتوى.

2026-06-18

الأعباء التي لا تنتهي


مهندس عاصم شاكر 

حين تصبح الأعباء أثقل من الاحتمال

ليس أشد قسوة على الإنسان من أن يقضي سنوات عمره في الكفاح والعمل والادخار، ثم يجد نفسه محاطاً بسلسلة متتابعة من الالتزامات والأعباء التي تستنزف جهده وراحته وموارده. فالمواطن البسيط لا يطلب أكثر من حياة مستقرة وآمنة، يستطيع فيها أن يحافظ على ما بناه بعرق جبينه، وأن يطمئن إلى ثمرة سعيه بعد سنوات طويلة من التعب.

ومن أكثر ما يثير القلق والاستياء لدى كثير من الناس تلك الإجراءات والرسوم التي تفرض عليهم بصورة متكررة، حتى بات البعض يشعر أن حياته أصبحت سلسلة لا تنتهي من المطالبات المالية. ويبرز في هذا السياق ملف التصالح على مخالفات البناء، الذي تحول بالنسبة لكثير من الأسر إلى مصدر دائم للقلق والحيرة.

فكم من إنسان شيد مسكناً أو عمارة صغيرة جمع تكلفتها قرشاً فوق قرش، وبذل فيها كل ما يملك من مال وجهد، ثم وجد نفسه مطالباً بسداد مبالغ إضافية تفوق أحياناً قدرته على التحمل. وهنا لا يكون الألم في قيمة المال وحدها، بل في الشعور بأن الأعباء تتزايد باستمرار، وأن المواطن لا يكاد ينتهي من التزام حتى يجد نفسه أمام التزام جديد.

إن الدول القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على سن القوانين أو تحصيل الرسوم، وإنما تُقاس كذلك بمدى مراعاتها لظروف مواطنيها، وبقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الإدارة ومقتضيات العدالة الاجتماعية. فالمواطن ليس رقماً في دفاتر الحسابات، بل هو أساس العمران والتنمية، وهو الطرف الذي يتحمل في النهاية نتائج كل قرار يصدر.

ولذلك فإن الناس يتطلعون دائماً إلى سياسات تراعي طاقتهم وقدرتهم على الاحتمال، وتمنحهم شعوراً بالأمان والاستقرار، بدلاً من أن تزيد من أعبائهم أو تدفعهم إلى مزيد من القلق. فالأوطان تزدهر عندما يشعر المواطن بأن جهده مصان، وأن ما بناه بعرق السنين لن يتحول إلى مصدر دائم للمعاناة.

إن العدالة الحقيقية لا تعني فقط تطبيق القواعد، بل تعني أيضاً مراعاة أحوال الناس، والإنصات إلى شكواهم، والبحث عن حلول تحقق المصلحة العامة دون أن تثقل كاهل من أفنوا أعمارهم في العمل والبناء. فالمواطن حين يشعر بالإنصاف يصبح أكثر قدرة على العطاء، وأكثر إيماناً بوطنه ومستقبله.

استاذ الجامعة

 


حال دكاترة الجامعة... حكايات من وراء الكواليس:

يمكن ناس كتير شايفة الدكتور الجامعي وهو واقف في المدرج ساعة أو ساعتين ويفتكروا إن دي كل الحكاية...

لكن الحقيقة إن اللي وراء الكواليس حكاية تانية خالص.

حكاية أستاذ بيصحى بدري عشان يحضر محاضراته، ويجري بين التدريس والامتحانات والتصحيح والكنترولات، ويقعد بالساعات يشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه، ويكتب أبحاث علمية وينشرها، ويحضر مؤتمرات، ويشارك في لجان وأعمال إدارية لا تنتهي.واعمال جودة وإرشاد اكاديمي ولجان علمية ومجالس واجتماعات وحاجات كتيييييييير 

حكاية عمر بيتصرف في خدمة العلم والطلاب والوطن...

ورغم كل ده، ما زال ملف أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية ينتظر نظرة عادلة تواكب حجم المسؤولية وحجم العطاء.

نحن لا نطلب رفاهية... ولا نبحث عن امتيازات... ولا نريد إلا ما يضمن حياة كريمة لمن يحمل على عاتقه صناعة العقول وبناء الأجيال.

كيف نطالب الأستاذ الجامعي بإنتاج بحث علمي عالمي؟ وكيف نطالبه بتخريج أجيال قادرة على المنافسة؟ وكيف نطالبه بالبقاء داخل وطنه وخدمة بلده؟ ثم نتركه يواجه أعباء الحياة وحده؟

إن الاستثمار الحقيقي ليس في المباني فقط... بل في الإنسان الذي يدير هذه المباني ويصنع قيمتها.

ومن هنا نناشد القيادة السياسية والحكومة المصرية ووزارة التعليم العالي فتح ملف أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية بصورة شاملة وعادلة، وإعادة النظر في المرتبات والبدلات والحوافز بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية الحالية ومتطلبات الحياة الكريمة.

الأستاذ الجامعي ليس موظفًا عاديًا... إنه من يصنع الطبيب الذي يعالجنا، والمهندس الذي يبني لنا، والمعلم الذي يربي أبناءنا، والباحث الذي يدفع الوطن للأمام.

فإذا أردنا جامعة قوية... فلا بد أن يكون أستاذها قويًا. وإذا أردنا بحثًا علميًا منافسًا... فلا بد أن يشعر الباحث بالتقدير. وإذا أردنا مستقبلًا أفضل لمصر... فلا بد أن نعيد الاعتبار لمن يصنع هذا المستقبل كل يوم.

رسالة محبة وتقدير وثقة في قيادتنا السياسية... أن تنظر بعين العدل والإنصاف إلى أبناء الجامعات المصرية، فهم جنود العلم الذين يعملون في صمت، ويستحقون أن يسمع صوتهم.

عاشت مصر بعلمائها وأساتذتها وباحثيها... فالأمم لا تبنى إلا بالعلم.  "وراء كل شهادة ناجحة... أستاذ جامعي يحمل جبالًا من المسؤوليات."


النزاهة

 

مهندس عاصم شاكر 

النزاهة... شرف النفس حين تضيق السبل.

النزاهة من أسمى القيم الإنسانية وأرفع الفضائل الأخلاقية، وهي ذلك المبدأ الذي يجعل الإنسان مستقيماً في سلوكه، متسقاً مع قناعاته، ثابتاً على الحق مهما تبدلت الظروف وتغيرت الأحوال. وهي ليست مجرد التزام بالقوانين أو خوفاً من العقوبة، بل هي رقابة ذاتية تنبع من ضمير حيّ يدفع صاحبها إلى فعل الصواب لأنه صواب، وإلى اجتناب الخطأ لأنه خطأ، دون انتظار ثناء أو خشية من لوم.

وفي معناها العميق، تعني النزاهة الترفع عن مواطن الشبهة، والابتعاد عن كل ما يخدش الكرامة أو يسيء إلى المروءة. وهي تقوم على أسس راسخة من الصدق والأمانة والشفافية والوفاء بالحقوق، حتى يصبح ظاهر الإنسان صورة صادقة لباطنه، فلا يتغير مع المصلحة، ولا يتلون مع الظروف.

غير أن النزاهة لا تظهر حقيقتها كاملة في أوقات الرخاء والوفرة، بل تتجلى بأبهى صورها حين يشتد الضيق وتضيق السبل. ففي أوقات الحاجة يكون الإنسان أمام اختبار حقيقي لقيمه ومبادئه؛ إذ يسهل التمسك بالمثل العليا عندما تكون الحاجات ملباة، أما المحافظة عليها في زمن العسر فهي الدليل الأصدق على أصالة المعدن ونبل النفس.

فالإنسان النزيه، مهما ضاقت به الأحوال، لا يمد يده إلى ما ليس له، ولا يسمح للفاقة أن تدفعه إلى التفريط في كرامته أو التنازل عن مبادئه. إنه يدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مال أو جاه، وإنما بما يحمله من خلق وما يحافظ عليه من شرف. لذلك يرضى بالكفاف الشريف ولا يقبل الغنى المشوب بالمهانة، ويؤمن بأن راحة الضمير أغلى من أي مكسب عابر.

ومن أبرز مظاهر النزاهة في ضيق الحال العفة والقناعة؛ فغنى النفس أعظم من غنى الجيب، والإنسان الكريم لا تجعل منه الحاجة طامعاً فيما ليس له. كما أن النزاهة تعلم صاحبها رفض التنازلات الصغيرة، لأنه يعلم أن الانحراف يبدأ بخطوة، وأن التساهل في المبادئ يفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً. ولهذا يختار الطريق الأصعب أحياناً، لكنه الطريق الذي يحفظ له احترامه لنفسه واحترام الناس له.

وترتبط النزاهة ارتباطاً وثيقاً بالكرم، فكلاهما يخرج من معين واحد هو شرف النفس ونبل الطبع. فالكرم الحقيقي ليس كثرة العطاء، وإنما سمو الروح واتساع القلب. ومن كانت نفسه نزيهة كانت نفسه كريمة أيضاً، تترفع عن الطمع كما تترفع عن البخل، وتعطي دون انتظار مقابل، وتحسن دون أن تمنّ بإحسانها.

ولعل أصدق صور الكرم هي كرم المقلّ؛ ذلك الذي يجود بالقليل وهو في حاجة إليه، ويشارك غيره مما يملك رغم ضيق ذات اليد. فهذا العطاء لا تصنعه الوفرة، بل تصنعه نفس نزيهة أبت أن تجعل الحاجة سبباً للأنانية أو الشح.

كما أن الإنسان النزيه إذا أحسن إلى غيره أحسن بتجرد، فلا يبتغي من عطائه مديحاً، ولا يطلب ولاءً، ولا يستغل المعروف لتحقيق منفعة شخصية. إنه يعطي لأن العطاء قيمة، ويساعد لأن المساعدة واجب أخلاقي، فيجتمع في فعله الكرم والنزاهة معاً.

وخلاصة القول أن النزاهة ليست خلقاً عابراً، بل هي منهج حياة يحفظ للإنسان كرامته ويصون ضميره. وهي البوصلة التي تمنعه من السقوط عندما تعصف به الأزمات، كما أن الكرم هو الثمرة الطبيعية لنفس نزيهة تعرف قدر نفسها وقدر الآخرين. فإذا اجتمعت النزاهة والكرم في إنسان، اجتمع فيه شرف الموقف ونبل العطاء، وارتقى إلى مرتبة من السمو الأخلاقي تجعل أثره طيباً في الناس وحسناً في الحياة.

أدب النداء

 

دكتور محمد العوادي 

من أول ما يكشف الإنسان عن أخلاقه طريقته في مخاطبة الآخرين، فالكلمات ليست مجرد أصوات تُلقى في الهواء، بل هي مرايا تعكس التربية والذوق واحترام الناس. ولهذا كان حسن النداء من أول أبواب حسن المعاملة، وكان اختيار اللفظ اللائق عنواناً على رقي صاحبه.

ومن الظواهر التي انتشرت في بعض البيئات أن يستوقف المرء غيره بعبارة: "بسسس"، وكأنها وسيلة عادية للفت الانتباه. غير أن هذا الأسلوب لا ينسجم مع أبسط قواعد الذوق العام، بل يترك في النفس انطباعاً غير مستحب؛ لأنه في الثقافة الشعبية ارتبط غالباً بنداء الحيوانات الأليفة، مما يجعله غير مناسب عند مخاطبة إنسان له مكانته وكرامته.

فالإنسان لم يُكرَّم إلا بالعقل واللسان، ومن تمام هذا التكريم أن يُنادى باسمه أو بصفة تليق به. وما أكثر البدائل الراقية التي تزخر بها لغتنا الجميلة؛ كأن نقول: "لو سمحت"، أو "معذرة"، أو "يا أستاذ"، أو "يا فندم"، أو غير ذلك من العبارات التي تفتح القلوب قبل أن تستجلب الانتباه.

والحقيقة أن الانطباع الأول يتشكل في لحظات قليلة، وربما كانت كلمة واحدة كافية لأن ترسم صورة كاملة عن صاحبها. فمن يستوقف الناس بعبارات جافة أو غير لائقة قد يترك أثراً سلبياً قبل أن يبدأ حديثه، بينما يكسب المهذب احترام الآخرين منذ أول كلمة ينطق بها.

إن الرقي لا يظهر في المواقف الكبيرة وحدها، بل يتجلى أيضاً في التفاصيل الصغيرة التي قد يظنها البعض عابرة. وطريقة النداء واحدة من هذه التفاصيل التي تكشف معدن الإنسان وثقافته. لذلك احرص أن يكون مدخلك إلى الناس لطيفاً، وأن تكون كلماتك جسراً للمودة لا سبباً للنفور.

فاجعل تعاملك الأول دائماً مفعماً بالاحترام وحسن الأدب، حتى لو كان الأخير؛ لأن الأخلاق ليست رد فعل، بل هي قيمة ثابتة تعبر عن صاحبها قبل أن تعبر عن غيره.

2026-06-17

انوبيس وست

 


كتبت الاثارية هند إسماعيل 

الناس اللى بتتلخبط بين انوبيس وست 

 "أنوبيس" و"ست" يرتبطان جغرافياً بالصحراء ويمتلكان رؤوساً حيوانية مدببة، إلا أن لكل منهما هوية بصرية ودينية مستقلة تماماً.

​1. الفرق من حيث الشكل (Iconography)

​أنوبيس (Anubis): يمثل ابن آوى (أو الكلب البري الأسود). أذناه مدببتان وواقفتان، ووجهه طويل ونحيف. لونه دائماً الأسود، وهو لون يرمز عند المصريين للخصوبة وتجدد الحياة (لون طمي النيل)، وليس الموت.

​ست (Set): يمثل حيواناً أسطورياً غير محدد (يُسمى حيوان ست). يتميز بأذنين مربعتي الأطراف وقائمتين بشكل عمودي، وخرطوم (أنف) منحني للأسفل، وذيل مستقيم مشقوق من طرفه. وبعض الاراء بتقول انه يشبه الحمار وأكل النمل 

​2. الفرق في الصفات والرمزية

​أنوبيس: هو رمز الحماية والنظام في العالم الآخر. يتميز بالهدوء، الصمت، والدقة. هو الإله "الأمين" الذي يحفظ الأجساد والأرواح.

​ست: هو رمز الاضطراب والفوضى (Isfet). يمثل القوة الغاشمة، الرياح العاتية، والتقلبات غير المتوقعة. هو إله "صاخب" ومتمرد.

​3. الدور في الديانة (Religious Role)

​أنوبيس (سيد التحنيط): دوره لوجيستي وروحي؛ فهو المسؤول عن حفظ جسد المتوفى (التحنيط)، وهو الذي يقود الروح في ممرات العالم السفلي ويراقب ميزان العدالة. هو "الدليل" الذي لا غنى عنه.

​ست (إله الغريب): هو إله الصحاري والبلاد الأجنبية. دوره مزدوج؛ فهو القاتل (في أسطورة أوزيريس) وهو أيضاً البطل المدافع عن مركب الشمس ضد قوى العدم (الحية أبوب). هو القوة التي تحمي حدود مصر من الخارج.

​الخلاصة:

أنوبيس هو حارس البوابة الذي يمنحك الطمأنينة، أما ست فهو إعصار الصحراء الذي يمنحك القوة والرهبة.