2026-03-20

عيد مبارك عليكم

 


اللهم اجعل هذا العيد بدايه الجبر والعوض لقلوبنا، واجعله بداية خير وبشرنا فيه بما يسرنا، اللهم اجعله عيداً مليئًا بالأفراح والتوفيق ، اللهم اجعله عيد تحقق فيه كل الأمنيات، اللهم إنا ننتظر منك فرحة تغير مجرى أيامنا فبشرنا بها يا كريم.

2026-03-19

الخس




 

دكتور يوسف محمد 

الخس من الخضروات الورقية الخفيفة والمفيدة جدًا، وغالبًا يُؤكل طازجًا في السلطة أو الساندوتشات.


أهم فوائده

  • مرطب للجسم: لأنه غني بالماء، يساعد على ترطيب الجسم خاصة في الجو الحار.
  • مهدئ للأعصاب: يحتوي على مواد تساعد على الاسترخاء وتحسين النوم.
  • مفيد للهضم: غني بالألياف، فيساعد على تنظيم حركة الأمعاء.
  • قليل السعرات: مناسب جدًا للرجيم وإنقاص الوزن.
  • غني بالفيتامينات: مثل فيتامين A وK، المهمين للنظر وصحة العظام.


ملاحظات

  • يُفضل غسله جيدًا لأنه قد يحمل بقايا تربة أو مبيدات.
  • تناوله بكميات معتدلة أفضل، خاصة لمن يعاني من انخفاض ضغط الدم.

30 رمضان



 

30 رمضان 

نستودعك يا الله دعوات رجوناها طوال شهرك المبارك، ونستودعك أحلامنا وآمالنا أن تحققها لنا وحياتنا أن تجعل فيها ما هو خير لنا ونستودعك يا الله سجودنا اللهم أجعل آخر ليلة في رمضان هي بداية حياة جديدة لنا ونهاية لأحزاننا وهداية لطريقنا وعوض لخيباتنا يالطيف.

2026-03-18

فخ الأفضل

 


دكتور محمد العوادي 

في زمنٍ تتسارع فيه المقارنات، وتُفتح فيه أبواب الاختيار على مصاريعها، يقع الإنسان في فخٍّ خفيٍّ اسمه “وهم الأفضل”. يظنّ أن السعادة كامنة هناك، في ذلك الخيار الذي يبدو أكثر بريقًا، أو أكثر كمالًا، أو أكثر جذبًا للأنظار. فيركض، ويُجهد نفسه، ويبدّد طاقته، ظنًّا منه أنه إن بلغ “الأحسن” فقد أدرك الغاية وانتهى السعي.

غير أن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون، أن “الأحسن” مفهومٌ زئبقيّ لا يستقرّ على حال؛ فما تراه اليوم قمّةً، قد يبدو غدًا عاديًّا، وما تظنّه نهاية المطاف، قد يظهر بعده ما هو أرفع وأكمل. وهكذا يدخل الإنسان في دوّامة لا تنتهي من المقارنة والقلق، فيفقد لذّة الحاضر، ويُضيّع فرصة الطمأنينة.

إن السعي الدائم وراء “الأحسن” لا يصنع بالضرورة حياةً أفضل، بل قد يزرع في النفس قلقًا دائمًا، وشعورًا خفيًّا بالنقص، وكأن ما بين يديك لا يكفي، أو لا يرقى لما تستحق. وهنا تكمن المفارقة: كلما اقتربت من “الأفضل”، ازداد شعورك بأن هناك ما هو أفضل منه، فتظلّ أسير هذا السباق الذي لا خطّ نهاية له.

أما “الأنسب”، فهو اختيار مختلف في جوهره. ليس هو الأكثر لمعانًا، ولا الأعلى شأنًا في أعين الناس، بل هو ما يوافقك، ويشبهك، وينسجم مع طبيعتك وظروفك. هو ما يمنحك سكينة داخلية لا تُقاس بالمقاييس الظاهرة، بل تُدركها النفس في هدوءها واطمئنانها.

الأنسب هو ما تشعر معه أنك لست مضطرًا للتكلّف أو التزيّف، ما يتيح لك أن تكون على سجيتك دون خوف أو ضغط. هو الذي يوفّر لك بيئة من الراحة النفسية، ويمنحك إحساسًا بالأمان، ذلك الأمان الذي لا يُشترى، ولا يُقارن، ولا يُعوّض.

وفي العلاقات، كما في العمل، كما في اختيارات الحياة الكبرى، قد يكون “الأحسن” أكثر إثارة في البداية، لكنه ليس بالضرورة أكثر ثباتًا أو عمقًا. بينما “الأنسب” قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره استقرارًا طويل الأمد، وراحة لا تعادلها مكاسب ظاهرية.

إن الحكمة ليست في أن نصل إلى أعلى ما يمكن، بل في أن نصل إلى ما يناسبنا حقًا. فالحياة ليست سباقًا نحو القمم بقدر ما هي رحلة بحث عن التوازن. والتوازن لا يتحقق إلا حين نختار ما يوافق أرواحنا، لا ما يُبهر أعين الآخرين.

فلا تُرهق نفسك بمطاردة سراب “الأحسن”، ولا تجعل المقارنة تحجب عنك نعمة الرضا. اختر “الأنسب”، لأن فيه غالبًا ما تبحث عنه حقًا: راحة لا تُكلّفك، واستقرار لا يُقلقك، وأمان يُشعرك أنك وصلت، لا أنك ما زلت في الطريق.

النسيان الواجب

 


دكتور محمد الشافعي 

اللي غيابه مقصود نسيانه واجب

ليست كل الغيابات سواء؛ فهناك غياب تفرضه الظروف، وآخر تمليه الأقدار، وثالثٌ يختاره الإنسان عن وعيٍ وإرادة. وهذا الأخير هو أخطرها وأوضحها دلالة، لأنه لا يأتي صدفة ولا يقع سهوًا، بل يُرتَّب له في صمت، ويُمارَس بإصرار. ومن هنا كانت العبارة: "اللي غيابه مقصود نسيانه واجب" تعبيرًا مكثفًا عن موقفٍ نفسي وأخلاقي، لا عن مجرد رد فعل عابر.

فالإنسان الذي يختار أن يغيب، إنما يختار في الحقيقة أن يُقصي نفسه من حياتك. لا ينسحب ليلتقط أنفاسه، ولا يبتعد ليعيد ترتيب أوراقه، بل ينسحب ليُعلن – دون كلمات – أنه لم يعد يرى في القرب قيمة، ولا في التواصل ضرورة. وهذا النوع من الغياب لا يحتاج إلى تفسير، لأن تكراره كفيل بأن يكون تفسيرًا بحد ذاته.

والمشكلة ليست في الغياب ذاته، بل في إصرار البعض على تأويله حسنًا، والتماس الأعذار له، والتمسك بخيوطٍ واهية من الذكريات. هنا يتحول الإنسان من طرفٍ متأذٍ إلى شريكٍ في إيذاء نفسه، حين يُصر على انتظار من قرر أن لا يأتي، وعلى التعلق بمن حسم أمره بالرحيل.

إن النسيان في هذه الحالة ليس خيانة للذكريات، بل وفاء للنفس. هو فعل مقاومة ضد الاستنزاف العاطفي، وقرار واعٍ بقطع طريقٍ لا يؤدي إلا إلى الخيبة. فكما أن للحضور قيمة، فإن للغياب رسالة، ومن لم يفهم الرسالة، سيظل أسيرًا لوهمٍ لا ينتهي.

والحقيقة أن الكرامة الإنسانية لا تحتمل هذا النوع من العلاقات المختلة؛ حيث يبذل طرفٌ كل شيء، بينما يختار الآخر الغياب ببرود. لذا، فإن النسيان هنا ليس خيارًا عاطفيًا فقط، بل ضرورة أخلاقية تحفظ للإنسان توازنه، وتعيد إليه اعتباره.

في النهاية، ليس كل من غاب يُنسى، ولكن من تعمد الغياب، وأسرف فيه، وأغلق أبواب الوصل بإرادته، فقد كتب بنفسه نهاية حضوره. وعندها، يصبح النسيان ليس قسوة، بل عدلًا.

2026-03-17

29 رمضان

 


٢٩ رمضان 

اخر ليله وتريه كان الرسول يودع رمضان بقوله

اللهم لا تجعله آخر العهد من صيامنا إياه،فإن جعلته فأجعلني مرحوماً ولا تجعلني محروماً،الحمدلله على التمام،الحمدلله على البلاغ الحمدلله على الصيام والقيام،اللهم اجعلنا ممن صام الشهر ايمانا و احتسابا وادرك ليلة القدر وفاز بالآجر

نصيحة


 

مهندس عاصم شاكر 

ليست كل النصائح تُؤخذ على ظاهرها، ولا كل التجارب تُعمَّم على واقعٍ كامل. فالعبارة التي تُصوِّر الأرياف وكأنها مستنقع للحسد والضيق، إنما تعبّر عن تجربةٍ شخصيةٍ ضاقت بها النفس، فعمّمت ضيقها على المكان، وألقت بظلالها على الناس جميعًا.

إن الريف، في جوهره، ليس جغرافيا فحسب، بل هو نمط حياة. هو بساطة العلاقات، وقرب الناس من بعضهم، وانكشاف التفاصيل الصغيرة التي قد لا تُرى في المدن. ومن هنا، قد يشعر البعض أن الخصوصية أقل، وأن العيون أكثر حضورًا، وأن الحديث يدور سريعًا بين الناس. لكن هذه السمات نفسها قد تُقرأ قراءة أخرى: فهي أيضًا تعبير عن ترابط اجتماعي، وعن مجتمع يعرف أفراده بعضهم بعضًا، ويشعرون ببعضهم في الفرح والضيق.


أما الحسد والضيق، فليسا حكرًا على مكان دون آخر. إنهما من طبائع البشر حين تضعف النفوس، ويغيب الرضا. فكما يوجد في الريف من يضيق بغيره، يوجد فيه من يفرح له، ويقف بجانبه، ويُعينه دون مقابل. وكذلك المدينة، رغم اتساعها وضجيجها، لا تخلو من الحسد، لكنها تُخفيه خلف جدران عالية ووجوهٍ عابرة لا تلتقي.

والحقيقة أن الراحة لا تُصنع بالمكان وحده، بل بطريقة النظر إليه. فمن ضاق صدره، ضاق به كل موضع، ومن اتسعت نفسه، وجد في أبسط البيئات سكينة وطمأنينة. فالمدينة قد تمنح حريةً وخصوصية، لكنها قد تسلب الدفء، وتُغرق الإنسان في عزلةٍ وسط الزحام. والريف قد يقيّد بعض المساحات، لكنه يمنح الإنسان جذورًا وشعورًا بالانتماء.

إن التوازن هو الحكمة الغائبة في مثل هذه العبارات. فليس المطلوب أن نهجر الريف أو نقدّس المدينة، بل أن نختار ما يلائم طبائعنا ونفوسنا. فمن وجد راحته في هدوء الريف فليقم فيه، ومن آثر صخب المدينة فليعشها، دون أن يُدين أحدهما الآخر.

وهكذا، تتحول النصيحة من حكمٍ قاسٍ إلى رؤيةٍ أكثر إنصافًا: ليس المكان هو المشكلة، بل الإنسان حين يعجز عن التكيّف، أو حين يُحمّل البيئة ما في نفسه من ضيق.

با شدو

 


كتب الاثري شريف محمود 

«با شدو» يشرب ويتطهر من نهر النيل «حعبي» بس مش الموجود في عالم الاحياء بل إنعكاسه في حقول النعيم «سخت إيارو».

طعام المصري القديم

 


مهندس عاصم عاصم 

كان الخبز الطعام الأساسي عند المصريين القدماء، وكانوا يصنعونه من القمح والشعير.

كما كانوا يتناولون الأسماك والخضروات والبصل ويشربون الجعة المصنوعة من الشعير.

وكان الطعام جزءًا مهمًا من حياتهم اليومية واحتفالاتهم الدينية.

تمثالا ممنون بالاقصر

 


مهندس عاصم شاكر 

مصر البلد الوحيد في العالم الذي له علم عظيم بإسمه ، هو علم المصريات Egyptology ، وهذا ليس من فراغ.

وهذان تمثالان يزن كلٌ منهما 720 طن وبارتفاع 18 متر. وكان أمام الصرح الخاص بالمعبد الجنائزي للملك امنحتب الثالث. بالبر الغربي بطيبة التي هي مدينة الأقصر الحالية.

نُقلت أحجار التمثالين من الجبل الأحمر بالقرب من القاهرة لمسافة 675 كم إلي الاقصر عكس تدفق مياه نهر النيل.

تحليل صورة

 


مهندس عاصم شاكر 

الصورة هنا هادئة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها، ومناسبة جدًا لفكرة المقال السابق نشره تحت عنوان صمت الحقيقة.

الحجران المتراصّان يرمزان إلى الثبات والاتزان الداخلي؛ فهما ثابتان لا يهتزّان بسهولة، كصاحب الحق الذي يعلم يقينًا ما تعرّض له، فلا تزعزعه روايات الآخرين ولا ادعاءاتهم.

أما الريشة البيضاء فوقهما، فهي رمز للنقاء والصدق؛ خفيفة، رقيقة، لا تحمل ثقلًا، لكنها واضحة. كالحقيقة تمامًا: لا تحتاج إلى ضجيج، ولا إلى إثبات متكلّف، بل يكفيها أن تكون صافية.

والأوراق اليابسة حول المشهد توحي بـ زمنٍ مرّ وتجاربٍ سقطت، كأنها بقايا مواقف وأحداث انتهت، لكنها تركت أثرها. هي تمثل الأذى الذي حدث، والذكريات التي لا تختفي بسهولة.

أما الضوء الذهبي الهادئ، فيرمز إلى السكينة بعد الإدراك؛ إلى لحظة فهم أن الحقيقة لا تحتاج إلى صراع دائم، وأن الهدوء أحيانًا أبلغ رد.

الصورة كلها تقول: إن صاحب الحق قد يُؤذى، وقد يُساء فهمه، لكن داخله يظل متوازنًا، نقيًا، هادئًا…

بينما ما حوله من زيفٍ وضجيج، ليس إلا أوراقًا يابسة تسقط مع أول ريح.

احقر الناس

 


دكتور محمد العوادي 

ليس أقسى على النفس من أذى يقع عليها ظلمًا، بل الأشد مرارة أن يتحوّل المؤذي — في لحظة مراوغة — إلى مدّعٍ للبراءة، بل إلى ضحيةٍ مزعومة، كأنما انقلبت الموازين، واختلطت الحدود بين الجاني والمجني عليه. هناك، في تلك اللحظة الفارقة، لا يُجرح الإنسان من الفعل وحده، بل من هذا التزييف الوقح للواقع، حيث يُراد للحق أن يصمت، وللباطل أن يتكلم بلسانٍ واثق.

إن أحقر الناس حقًّا هو ذاك الذي لا يكتفي بإيذائك، بل يسلبك حقك في الشكوى، ويصوّرك — أمام نفسك أو أمام الآخرين — كأنك المعتدي. يمارس اعتداءه أولًا، ثم يلبس قناع المظلومية، فيستدرّ التعاطف، ويُحمّل غيره وزر ما اقترفت يداه. وهذه صورة من صور الخسة المركبة؛ إذ يجتمع فيها الظلم والكذب، ويُضاف إليهما استخفافٌ بعقول الناس ومشاعرهم.

وليس هذا المسلك وليد ضعفٍ عابر، بل هو خلل في الضمير، وفساد في إدراك الحقيقة. فصاحب هذا الطبع لا يرى في الاعتراف شجاعة، ولا في الاعتذار كرامة، بل يراهما تهديدًا لصورته التي يحرص على تلميعها ولو على حساب الحق. لذلك يلوذ بالإنكار، ويستعين بالتشويه، ويقلب الروايات حتى يبدو بريئًا، أو — في أسوأ الأحوال — مظلومًا.

وهنا يقف الإنسان النزيه أمام اختبارٍ عسير: أيدخل في دوامة الجدل، فيستهلك طاقته دفاعًا عن بداهةٍ لا تحتاج إلى برهان؟ أم يلوذ بصمتٍ يليق بوضوح الحق في داخله؟ إن صمت الحقيقة في مثل هذه المواقف ليس عجزًا، بل هو أحيانًا موقفٌ واعٍ، يترفّع عن الانحدار إلى مستوى التزييف. فالحقيقة، وإن سكتت، لا تموت، وإن غابت، لا تُمحى.

غير أن هذا الصمت لا يعني الاستسلام، بل هو ثقةٌ عميقة بأن ما حدث ثابتٌ في ميزان الواقع، لا تغيّره رواية مغلوطة، ولا تمحوه دعوى كاذبة. فالأذى لا يُمحى بإنكاره، والحق لا يُبدَّل بتزيينه، وما يُبنى على الوهم ينهار، ولو بعد حين.

وهكذا، يبقى المؤذي أسيرَ تناقضه، يحمل عبء كذبته فوق أذاه، بينما يمضي صاحب الحق — وإن أثقله الألم — ثابتًا، مستندًا إلى يقينٍ لا يتزعزع. فليس من العدل أن تُقاس الحقيقة بعلوّ الصوت، ولا أن يُحكم عليها بمهارة التمثيل؛ بل تُقاس بصفائها، وبقدرتها على البقاء.

وفي النهاية، قد تصمت الحقيقة، لكن صمتها ليس فراغًا… بل امتلاءٌ بكرامةٍ ترفض أن تنحدر، ويقينٌ ينتظر لحظته ليظهر، فيسقط القناع، وتنكشف الوجوه، ويعود لكلّ ذي حقٍ حقّه.

صمت الحقيقة



مهندس عاصم شاكر 

حين تصمت الكلمات… تنطق الحقائق

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات حتى يكاد الضجيج يبتلع المعنى، تظلّ الحقيقة كيانًا عصيًّا على التزييف، ثابتًا لا يتبدّل، وإن توارى خلف ستار من الزيف المؤقت. فليس كل ما يُقال يُعتدّ به، ولا كل ما يُسمع يُوثق به، إذ كثيرًا ما تُقال الكلمات لتُخفي، لا لتُظهر، ولتُزيّن الباطل في صورة الحق، أو لتؤجل المواجهة مع واقعٍ لا يحتمل المجاملة.

غير أنّ الحقيقة، في جوهرها، لا تحتاج إلى صخبٍ يعلنها، ولا إلى زخرفٍ يجمّلها؛ فهي كالشمس، قد تحجبها غيمة، لكنها لا تنطفئ. تسكن في عمق الوقائع، وتظهر لمن أراد أن يرى بعين البصيرة لا بعين الهوى. قد تُؤخَّر، وقد تُحاصَر، لكنها لا تُهزم، لأن ما بُني على الصدق لا ينهار، وما استند إلى الوهم سرعان ما يتداعى.

ولعلّ أخطر ما يواجه الإنسان ليس الكذب الصريح، بل نصف الحقيقة؛ ذلك القناع الذي يُلبس الزيف ثوب الصدق، فيضلّ السامع، ويحسب أنه قد بلغ الغاية. وهنا تتجلى مسؤولية العقل الواعي، الذي لا يكتفي بالسماع، بل ينقّب، ويفكّك، ويعيد النظر، حتى يبلغ اليقين.

إن الحقيقة لا تُفرض بقوة الصوت، ولا تُستمد من كثرة المؤيدين، بل من صفائها الداخلي واتساقها مع الواقع. هي لا تحتاج إلى من يرفعها، بقدر ما تحتاج إلى من لا يطمسها. ومن أدرك هذه القيمة، أدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الانصراف عن الجدل العقيم حفاظٌ على نقاء الفكرة.

وهكذا، تبقى الحقيقة — مهما تأخر ظهورها — قادرة على أن تفرض حضورها، لا بسطوة، بل بثبات. إنها لا تصرخ، لكنها تُسمِع؛ لا تتزين، لكنها تُقنع؛ لا تلاحق الناس، بل يجدها من يطلبها بإخلاص.

وفي عالمٍ تتبدل فيه الوجوه والعبارات، تظل الحقيقة وحدها، ثابتةً، هادئةً، واثقة… تنتظر من ينصت.

من مواقف سورة يوسف


كلنا نحب سورة يوسف، لكن هل لاحظت أن (القميص) كان هو بطل القصة في أشد ٣ مواقف؟


١- قميص (الغدر):

لما جابوا إخوانه القميص ملطخ بدم كذب.


٢- قميص (البراءة):

لما انشق قميصه من دبر وظهرت براءته.


٣- قميص (الشفاء):

لما أرسله لأبوه {ألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً}.


نفس الأداة اللي بدأت بها مأساة يعقوب، هي اللي أنهت حزنه وردت بصره!


رسالة لك:

نفس الباب اللي جاك منه الوجع، ربي قادر يخليه هو باب الفرج.

في فهم القرآن الكريم



القرآن وضع لنا ٤ (سرعات) دقيقة جداً:

١- للرزق والدنيا قال: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}..

مجرد مشي هادئ ومطمئن لأن الرزق محسوم.


٢- للصلاة قال: {فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ}..

السعي هو المشي باهتمام وهمة وتركيز.


٣- للجنة قال: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ}..

هنا زادت السرعة وبدأ سباق التنافس!


٤- أما للجوء إلى الله قال: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}..

الهروب بأقصى سرعة وبلا التفات!


​مأساتنا الحقيقية أننا أصبنا بالإنهاك والاحتراق النفسي لأننا عكسناها..

صرنا (نفرّ) ونلهث بانقطاع نَفَس خلف رزقٍ كفله الله لنا..

و(نمشي) متثاقلين نحو من بيده مفاتيح هذا الرزق!

من يفر إلى الله   =  تأتيه الدنيا وهي راغمة.

أدعية ليلة القدر




  • اللهم إنّك عفوٌّ كريمٌ تحب العفو فاعفُِ عَنا" وهو الدعاء الذي أوصى به رسول الله عائشة- رضي الله عنها- عندما سألته: «بمَ ندعو الله في ليلة القدر؟»

  • اللهمَّ إن كانت هذه ليلة القدر فاقسم لي فيها خير ما قسمت، واختم لي في قضائك خير ما ختمت، واختم لي بالسعادة فيما ختمت اللهم افتح لي في هذه الليلة باب كل خير فتحته لأحد من خلقك."

  • اللهم سخّر لي الأرض ومن عليها، والسماء ومن فيها، وعبادك الصالحين وكل من ولّيته أمري، وارزقني من حظوظ الدنيا أجملها."

  • اللهم أسعِدنا براحة البال، وجمّلنا بالستر ومتعنا بالصحة، وارزقنا رضاك والجنة."

  • اللهم اجعلنا ممّن تُدركهم الرحمة ثم المغفرة ثم العتق من النار.

  • اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلّها دقّها وجلّها سرّها وعلانيتها أولها وآخرها ما علمنا منها وما لم نعلم."

البردي واللوتس



د.هند إسماعيل 

الفرق بين عمود اللوتس وعمود البردى عشان فى ناس بتتلخبط بينهم

28 رمضان

 


28 رمضان 

"اللَهم اجبر خاطري جبرا أنت وليه.فإنه لايعجزك شيئا في الأرض ولا في السماء،ربِي اشرح صدري وأرح قلبي وأزح من قلبي كل خوف يسكنني وكل ضعف يكسرني وكل أمر يبكيني،ولا تفجعني في مستقبلي ولا في نفسي ولا في باقي أهلي ولا تعسر أمري وافتح لي أبوابي المغلقة

2026-03-16

27 رمضان

 


 27 رمضان

 رابع ليله وتريه لعلها ليله القدر 

اللهم إن كانت هذه الليلة ليلة القدر فأرفع أسمائنا في صحائف العُتقاء من النار ، اللهُم إننا نستودعُك أدعيِة فاضت بها قلوبنا فإستجبها يارحيم ،اللهم أجعلنا من الذين تدبر فرحتهم في السماء الآن و أمانيهم أوشكت أن تكون انك علي كل شئ قدير

2026-03-14

26 رمضان

 


26 رمضان 

"اللهُم هب لي مُلكاً ، و جاهاً ، و هب لي مالاً وافر ، و هب لي تسخيراً ، و هب لي عوناً وقوة ، و هب لي سعادة وما تمنيت و سخر لي الأسباب و الأشخاص و الأماكن ولا تجعلني ضائعة لا أملك جهةٍ ولا بوصلة ، ياربّ دلني ووجهني ، اللهُمَّ دلني إلى من أراد بي الخير و دله عليّ."

25 رمضان



25 رمضان ثالث ليله وتريه

"يارب أدعوك دُعاءً لا أعرف كيف أرتبه، فأنت تُبصر الفؤاد،وتلمس حاجة قلبي بيدك، فاللهم أياما كما أحب،وحالاً إلى ما هو أفضل،وهماً لا يبقى قائماً في صدري، وفرحة ليس لها إنتهاء،اللهم أمنياتي التي أنتظرها، اللهم طوق قلبي بعقودٍ من الرضا والراحة، والفرح"

2026-03-13

24 رمضان

 


٢٤ رمضان 

ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير

ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين

ربّ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين

ربّ إني مغلوب فانتصر

ربّ اشرح لي صدري ويسرلي أمري 

ربّ إني ظلمت نفسي فاغفرلي

ربّ أعوذ بك من همزات الشياطين

ربّ اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء.

ضجيج الدراما

 


مهندس عاصم شاكر 

ضجيج الموسيقى في الدراما: بين الوظيفة الفنية وإرهاق المتلقي

لم تعد متابعة الأعمال الدرامية اليوم تجربة هادئة كما كانت في الماضي؛ فقد بات المشاهد كثيرًا ما يضطر إلى رفع صوت الحوار تارة، وخفض صوت الموسيقى تارة أخرى، وكأن العمل الفني لا يثق في قدرة الصورة والكلمة على التعبير، فيلجأ إلى موسيقى صاخبة تسبق الحوار أو تعلو عليه. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا أصبحت الموسيقى في كثير من الأعمال الدرامية أعلى من الحوار؟ ولماذا يغلب عليها طابع صاخب يرهق الأعصاب بدل أن يهيئها للتلقي؟

في الأصل، لم تُخلق الموسيقى في الدراما لتنافس الحوار، بل لتخدمه. فالموسيقى التصويرية عنصر فني وظيفته تعميق الإحساس بالمشهد، وإيصال الحالة النفسية للشخصيات، وتهيئة المتلقي عاطفيًا لما يراه. غير أن هذه الوظيفة الدقيقة تحولت في كثير من الأعمال الحديثة إلى حضور طاغٍ يكاد يبتلع المشهد بدل أن يكمّله.

يرجع ذلك إلى عدة أسباب. أولها ضعف المعالجة الدرامية في بعض الأعمال؛ فعندما يكون المشهد فقيرًا في البناء أو الأداء، يُستعان بالموسيقى الصاخبة لتعويض هذا الضعف وإثارة انفعال المشاهد قسرًا. فبدل أن يصل الإحساس عبر التمثيل والحوار، تُفرض العاطفة على المتلقي عبر موجات صوتية مرتفعة تحاول أن تقول له: “اشعر بالحزن الآن” أو “استعد للتوتر”.

وثانيها تغيّر الذوق الإنتاجي في عصر السرعة. فالمخرجون والمونتيرون باتوا يخاطبون مشاهدًا يعتقدون أنه سريع الملل، فيلجأون إلى الإيقاع العالي والمؤثرات الصوتية الكثيفة لإبقائه مشدودًا. لكن هذا الأسلوب، وإن بدا فعالًا في لحظته، يؤدي في النهاية إلى إرهاق الأعصاب وإفساد متعة المشاهدة.

وثالثها الجانب التقني؛ فكثير من الأعمال تُخلط أصواتها في الاستوديوهات بطريقة غير متوازنة، حيث تُرفع طبقة الموسيقى والمؤثرات أكثر من اللازم، خصوصًا عند البث التلفزيوني أو عبر المنصات الرقمية، فيختل الميزان الطبيعي بين الحوار والموسيقى.

أما عن نمط الموسيقى نفسه، فقد تغير كثيرًا. فالموسيقى الدرامية القديمة كانت تعتمد على اللحن الواضح والهدوء النسبي، وتدخل المشهد برفق ثم تنسحب منه دون إزعاج. أما الآن فقد طغت المؤثرات الإلكترونية والضربات الإيقاعية الحادة التي تخلق توترًا دائمًا حتى في المشاهد التي لا تحتاج إلى هذا التوتر.

وهنا يحق للمشاهد أن يتساءل: هل هو تطور فني أم مبالغة صوتية؟ والحقيقة أن المسألة ليست مؤامرة على أعصاب الناس كما قد يتخيل البعض، لكنها أقرب إلى خلل في الفهم الفني لوظيفة الموسيقى داخل العمل الدرامي. فحين يغيب التوازن بين الصورة والكلمة واللحن، يتحول العنصر المساعد إلى عبء يثقل المشهد بدل أن يثريه.

إن الدراما الحقيقية لا تحتاج إلى الضجيج كي تُقنع. فالمشهد الجيد يفرض نفسه بهدوء، والحوار الصادق يصل إلى القلب دون صخب. أما الموسيقى، حين تُستخدم بحكمة، فإنها تصبح كالنَفَس الخفي الذي يمنح العمل روحه… دون أن يعلو صوته على أصوات البشر.

2026-03-12

حين سرق الضوء الأزرق أعمارنا

 


دكتور محمد العوادي 

لم يكن التلفزيون حين ظهر في بيوت الناس مجرد جهاز للترفيه، بل كان نافذة على العالم. ولم يكن الإنترنت في بداياته إلا أداة للمعرفة والتواصل. لكن ما بدأ وسيلة نافعة تحوّل، مع مرور الوقت، إلى قوةٍ خفية تسحب الإنسان من واقعه رويدًا رويدًا، حتى باتت تلك الشاشات الصغيرة تتحكم في تفاصيل يومه ومزاجه وعلاقاته.

في المجتمع المصري، الذي كان يقوم في الأصل على دفء العلاقات العائلية والتواصل المباشر، حدث تحول عميق. جلس الأب يومًا أمام الهاتف، وغرق الابن في جهازه، وانشغلت الأم في متابعة شاشة أخرى، فصار البيت الواحد يجمع الأجساد ويُفرّق الأرواح. كل فرد يعيش في عالمه الرقمي الخاص، بينما الصمت يملأ المكان الذي كان يومًا يضج بالحكايات والضحكات.

المفارقة المؤلمة أن الهاتف والإنترنت أصبحا، عند كثيرين، أهم من العلاقات الإنسانية نفسها. يدفع البعض فاتورة الإنترنت بانتظام ودقة، وربما يضيق حاله في نفقات بيته، لكنه لا يحتمل أن تنقطع عنه الشبكة ساعة واحدة. وكأن الاتصال بالعالم الافتراضي صار ضرورة تفوق الاتصال بالأب أو الأم أو الزوجة أو الأبناء.

والأخطر من ذلك أن هذه الحالة لا تقف عند الكبار وحدهم. فحين ينشغل الآباء بالشاشات، يترك الأطفال ليقلدوهم دون توجيه أو رقابة. ينمو جيل كامل وهو يتعلم الحياة من هاتف صغير، لا من خبرة أبٍ حكيم ولا من حنان أمٍ يقظة. وهكذا تتحول التربية إلى مهمة مؤجلة، ثم إلى مهمة منسية.

ليست المشكلة في الإنترنت ولا في التلفزيون أنفسهما، فهما أدوات كبقية الأدوات. لكن الخطر الحقيقي يكمن في الاستسلام الكامل لهما حتى يسرقا وقت الإنسان وعلاقاته ووعيه. فالتكنولوجيا التي كان يفترض أن تخدم الإنسان، أصبحت في كثير من الأحيان تستعبده دون أن يشعر.

ربما لم تبدأ النهاية بعد، لكنها قد تبدأ حين ينسى الإنسان أن الحياة الحقيقية ليست خلف الشاشة، بل حوله: في حديثٍ مع أبٍ مسن، أو ضحكة طفل، أو جلسة عائلية بسيطة. هناك فقط تستعيد العلاقات معناها، ويستعيد الإنسان إنسانيته التي كادت تضيع في ضوء شاشة باردة.

23 رمضان

 

23 رمضان 

ثاني ليله وتريه 

اللهم إني استودعتك نفسي وامور حياتي وقلبي ، اللهم قرب لي الخير وابعد عني الشر و احفظني من كل سوء يارب العالمين اسعدني يالله ، وفقني ، كن معي ، احميني يارب ، أغفر ذنوبي جميعها ، اجبر خاطري ، احفظني في ودائعك يالله."

الحب الأبوي بين الأستاذ وتلميذه

  


دكتور محمد الشافعي 


الحب الأبوي بين التلميذ والأستاذ: رابط المعرفة والمودة

في أروقة العلم، حيث تمتزج الحروف بالأحلام، يولد نوع نادر من الحب، حب لا يعرف قيود النسب ولا تحكمه قوانين الوراثة، لكنه أقرب ما يكون إلى الأبوة. إنه الحب الذي ينشأ بين الأستاذ وتلميذه، ذلك الشعور العميق الذي يتجاوز العلاقة الأكاديمية ليصبح رابطة إنسانية من العطاء والامتنان.

أستاذ... لكنه أب

ليس كل من وقف على منصة التعليم مستحقًا لهذا اللقب، فالأبوة هنا ليست في الشرح ولا في وضع الدرجات، بل في القدرة على احتواء التلميذ، فهمه، توجيهه بحب، والأهم من ذلك أن يشعره بأنه ليس مجرد طالب في قاعة الدرس، بل ابن في ساحة الحياة. كم من أستاذ كان الأب الذي لم يجده تلميذه في منزله، وكم من تلميذ وجد في كنف معلمه يدًا تمتد إليه عندما خذلته الأيام!

إن الأستاذ الحقيقي هو من يرى في نجاح تلميذه امتدادًا لرسالته، من يفرح حينما يراه يتألق، لا لأنه كان السبب، بل لأنه أدرك أن جذوة المعرفة التي أوقدها في روحه لم تنطفئ.

التلميذ... حين يصبح ابنًا للعلم

في قلب كل تلميذ صادق، ينبض حب لأستاذه، حب ممتن، يشبه ذلك الذي يكنه الابن لأبيه حينما يمسك بيده لأول مرة ويقوده على طريق الحياة. قد لا يفهم التلميذ في لحظته الأولى قيمة هذا الحب، لكنه مع مرور الزمن، حين تعصف به رياح التجربة، سيعود بذاكرته إلى تلك اللحظات التي وقف فيها أستاذه إلى جانبه، نصحه، صقل فكره، وربما حتى عنّفه، لكنه كان دائمًا له، لا عليه.

علاقة خالدة رغم السنين

ليس غريبًا أن تجد شيخًا تجاوز الستين، يذكر أستاذه الأول بدمعة حنين، ليس غريبًا أن يظل صوت ذلك المعلم يتردد في ذاكرة تلميذه، يرسم له درب الصواب كلما تاهت به الحياة. إن الحب الأبوي بين الأستاذ وتلميذه لا ينتهي عند التخرج، بل يبقى ما بقي الأثر، وما أجمل أن يكون الأثر علمًا، وتوجيهًا، وحبًا لا يزول.

في النهاية، ربما يكون الأستاذ مجرد عابر في حياة تلميذه، لكن أثره قد يبقى خالدًا للأبد، كأب علّم ابنه كيف يمشي في دروب المعرفة بثقة، حتى وإن افترقت بهما السبل، يظل القلب ممتلئًا بتلك الذكرى النقية، ذكرى حب ولد في ساحات العلم، ونضج بين دفاتر الحياة.




2026-03-11

حين ينكشف وهم الصداقة

 



دكتور محمد الشافعي 

ليست السنوات وحدها معيار صدق العلاقات، فالعمر الطويل الذي تقطعه الصداقة لا يكون دائمًا ضمانًا لبقائها. قد تمتد علاقة ما لعقود، وتُروى عنها الحكايات، ويستشهد بها الناس مثالًا للوفاء، حتى يظن صاحبها أنها أصبحت جزءًا ثابتًا من حياته لا يمكن أن يتبدل. غير أن الأيام، في لحظة غير متوقعة، قد تكشف أن ما بدا راسخًا لم يكن في حقيقته إلا وهمًا لطيفًا عاش طويلًا قبل أن ينقضي.

خمسة وثلاثون عامًا من الصداقة ليست زمنًا يسيرًا. هي عمر كامل من الذكريات والمواقف المشتركة، ومن الجلسات الطويلة والحوارات التي لا تنتهي. صداقة بدأت بين زميلين في الكلية، ونمت مع مرور السنوات حتى صارت مثالًا يضربه المحيطون بهما؛ فيستشهد بها البعض، ويتندر بها البعض الآخر إعجابًا بمتانتها ودوامها.

لكن الحياة كثيرًا ما تختبر العلاقات في لحظات التحول. حين تتغير المواقع، وتتبدل المناصب، وتتسع المسافات النفسية بين الناس. عندها يظهر المعدن الحقيقي للعلاقة، ويُختبر صدقها اختبارًا صامتًا لا يحتاج إلى كلمات.

حين أصبح الصديق وكيلًا للكلية ومرشحًا لمنصب العميد، بدأ شيء ما يتغير. لم يكن التغير صاخبًا أو معلنًا، بل كان هادئًا ومتدرجًا؛ مسافة صغيرة تتسع يومًا بعد يوم، وغيابًا لا يُفسَّر، وبرودًا لم يكن مألوفًا من قبل. ومع الوقت، أخذت تلك المسافة تكبر حتى صار البعد هو الحالة الطبيعية بعد أن كانت القربى هي الأصل.

ثم جاءت لحظة كاشفة لا تُخطئها النفس. حين أصيب أحد الطرفين بكسر في القدم، وهو ظرف إنساني بسيط يكشف كثيرًا من الحقائق، لم يكن من الصديق إلا اتصال قصير لم يتجاوز أربعين ثانية، اتصال بارد خالٍ من حرارة السؤال، ولم يعقبه ما كان تقتضيه عشرة السنوات من زيارة أو وقفة صادقة. في تلك اللحظة أدرك القلب ما حاول العقل طويلًا أن يؤجله.

فالإنسان قد يتحمل البرود العابر، لكنه لا يستطيع أن يتجاهل غياب الإحساس حين يكون في أشد لحظاته احتياجًا إليه.

ومرت الشهور، سبعة أشهر كاملة، ثم جاء لقاء عابر في أروقة الكلية، لقاء لم يغيّر شيئًا من حالة التباعد. لم تُستعد فيه حرارة قديمة، ولم تُفتح فيه أبواب الحديث كما كانت تُفتح في الماضي. عندها بدا الأمر واضحًا لا لبس فيه: لقد انتهت تلك الصداقة، لا بضجيج الخصام، بل بصمت الانطفاء.

والانطفاء أحيانًا أبلغ من أي خلاف.

ليس في هذا الإدراك مرارة بقدر ما فيه وضوح. فبعض العلاقات تنتهي لأن الظروف التي صنعتها انتهت، وبعضها يسقط لأن المناصب تكشف طبائع لم تكن ظاهرة من قبل. وقد يكون أقسى ما في الأمر أن الإنسان لا يكتشف زيف العلاقة في بدايتها، بل بعد عمر طويل من الثقة.

ومع ذلك، فإن الكرامة الإنسانية تظل هي الميزان الأعدل. فحين يصل المرء إلى يقين بأن العلاقة قد انتهت، وأن الطرف الآخر اختار الابتعاد، فإن الحكمة تقتضي أن يقابل ذلك بالهدوء نفسه. لا عتاب يطيل الألم، ولا محاولة لإحياء ما مات بالفعل.

لذلك قد يكون القرار الأكثر اتزانًا هو ترك المسافة كما هي، دون سؤال أو تواصل، ليس انتقامًا ولا قسوة، بل احترامًا لما تبقى من كرامة العلاقة القديمة.

فالذكريات الجميلة لا تحتاج إلى إلحاح كي تبقى، لكنها أيضًا لا تستطيع أن تعيد الحياة إلى علاقة قرر أحد طرفيها أن يتركها تمضي.


وهكذا يمضي الإنسان في حياته متعلمًا درسًا هادئًا:

أن الصداقة الحقيقية لا تختبرها السنوات، بل تختبرها المواقف.

وأن بعض العلاقات التي ظنناها عمرًا كاملًا، لم تكن في النهاية إلا فصلًا طويلًا انتهى عندما تغيّرت الصفحة.

دراسة الأثار

 



كتب الأستاذ الدكتور أحمد عيسي

 استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة 

............

هل دراسة الآثار من "العلم النافع" ؟ (٢):

بدأنا الحديث عن هذا التساؤل في منشور سابق، ونستكمل الحديث عن هذا الموضوع في هذا المنشور الثاني، الذي قد تستتبعه منشورات أخرى، إذا أذن ويسر وفتح ربي سبحانه وتعالى:

القضية التي أود تناولها في هذا المنشور هو الاستغراب والتعجب الشديد من الإحجام "المريع" والمنهجي من المؤرخين وعلماء الآثار العرب والمسلمين- منذ القدم وحتى يومنا هذا- عن "إعتماد" القرآن الكريم والسنة المشرفة باعتبارهما "مصادر وثيقة وصحيحة" لبعض أحداث التاريخ القديم المروي عنها فيهما، فيما عدا جهود متواضعة ولا زالت ضعيفة حاول العبد لله الإسهام بها.

فلقد اتجهت "مدرسة" من المؤرخين الغربيين منذ القرن التاسع عشر وخلال النصف الأول من القرن العشرين إلى انتهاج إعتبار "التوراة/ العهد القديم (The Bible/The Old Testament) " كمصدر معتمد للأحداث "المعاصرة" لرواياتها زمنيا، أو السابقة عليها تاريخيا، ومن أشهر أصحاب هذه المدرسة أستاذ حضارات الشرق الأدنى القديم بريتشارد Pritchard ، ومن أهم أعماله في هذا الإتجاه : "The Ancient Near Eastern Texts Relating to the Old Testament".

وبكل اليقين يعد القرآن هو "أصدق الكتب" قاطبة، تنزيل من حكيم عليم، وكون ربنا سبحانه "الحكيم العليم" قد أنزله وفرضه ب "لغة واحدة" (إنا أنزلناه قرآنا عربيا)، وكان الإعجاز في تسلسل وصوله لعباد الله كما نزله الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، عبر تواتره الحفظي ثم المكتوب يؤكد "ثبات لفظه حرفا حرفا"، وبالتالي حفظ مضمونه، كما لفظه، بالكامل بدون أية تغييرات أو تبديلات، سواء في "المبنى" أو "المعنى"؛ بينما قد يكون "تعدد اللغات" المدونة بها "الكتب المقدسة" الأخرى، والتي تشمل "نسخا" بكل ألسنة ولغات شعوب الدنيا بأسرها سببا أحيانا في إحداث تغييرات طفيفة في المبنى كما المعنى على حد سواء.

كما أن حديث ربنا سبحانه وتعالى بما تضمنه من "حقائق" علمية و "نواميس" كونية ثبتت صحتها التجريبية بنسبة ١٠٠%، وما احتواه من "قصص ومعجزات" الانبياء، و"عبر" حياة و "تاريخ" السابقين، وما تضمنه من نبوءات صادقة سبقت زمان حدوثها ( نتذكر مثلا آية: "غلبت الروم, وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين"), لهو بحق ويجدر بنا وضعه على "راس" كل "المصادر الثابتة والوثيقة" لكل ما مضى على الدنيا والبشر وجميع الخلق من مجريات "تاريخية" و "حياتية" سابقة على نزوله، أو لاحقة عليه إلى قيام الساعة.

السنة النبوية كذلك، بما يضمه صحيحا البخاري ومسلم من حوالي ٢٠ ألف حديث (٨٠٠٠ في البخاري + ١٢٠٠٠ في مسلم)، حوالي النصف منها مكرر، يجب إعتمادها كذلك كمصدر تاريخي وثيق وأصيل، بالرغم مما يثأر أحيانا حول "صحة" بعض ما ورد فيهما من أحاديث، وعامة فإن عدد هذه الأحاديث، حتى لو لم تثبت صحتها، لا يتجاوز واحد على الألف من الأحاديث الصحيحة ١٠٠%.

ولفظ "السنة النبوية" هو "مصطلح إسلامي" يدل على محتوى "مصطلح" السيرة Biography، والذي يدل على سيرة حياة (أقوال وأفعال) أحد "العظماء"، التي يرويها عنه آخرون، ومحمد صلى الله عليه وسلم، كان أعظم عظماء البشر، ولعلنا نتذكر الكتاب الشهير لأحد كبار الباحثين الغربيين، تحت عنوان: "العظماء مائة أعظمهم محمد"، ويتراوح مع مصطلح "السيرة" Biography ويتشارك معه في بعض "المعنى"، مصلح آخر، حيث يتم الخلط بينهما كثيرا، هو "السيرة الذاتية" Autobiography، والخاص كذلك بسيرة حياة أحد "المشهورين"، ولكنه يرويها "بنفسه عن نفسه"، مثل "كفاحي" ل "ادولف هتلر" أو "الايام" ل "طه حسين" مثلا، ويقاس عليها الكثير من النصوص، التي رواها بعض كبار رجال الدولة في مصر القديمة، حيث وصفوا أنفسهم بعبارات شبه ثابتة ومتواترة، مثل: "لقد كنت أبا لليتيم، وزوجا الأرملة، لقد اعطيت الجائع وكسوت العاري وهكذا، والله وحده أعلم بمدى "المصداقية" في كل السير الذاتية قديما وحديثا، فأقل ما يقال فيها "أنها لا تكذب ولكن تتجمل"، فهي "إنتاج أدبي ذاتي وغير موضوعي" فيه غالبا من الزهو والمبالغة وإخفاء بعض الحقائق القدر الكبير، وذلك على عكس "السيرة"، التي يرويها آخرون معاصرون عن شخص عظيم تأثروا به وعايشوه، والتي تكون عادة "شهادة حق وصدق".

ونستكمل مع قصتي مع هذا الإتجاه البحثي، وما تعرضت له من ردود فعل صادمة بسببه، عندما شرعت في مجرد السير فيه، من بعد حصولي على الدكتوراه عام ١٩٨٨ مباشرة، كما تعرض بعض المنشورات التالية في هذا الموضوع لبعض الأمثلة على "الصدق الكامل" الذي لا يعتريه الشك، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لكل من "القرآن الكريم" و "السنة المشرفة"، باعتبارهما "أوثق" مصادر التاريخ القديم، والله المستعان.

وهم الصداقة

 

دكتور محمد الشافعي 

في مسيرة الحياة يلتقي الإنسان بوجوه كثيرة، ويظن في بعض اللحظات أن بينها من يستحق أن يُسمّى صديقًا. غير أن التجربة، بكل ما تحمله من اختبارات خفية، تكشف مع الزمن أن كثيرًا مما نطلق عليه اسم الصداقة ليس إلا صحبة عابرة فرضتها الظروف، أو جمعها طريق واحد في مرحلة من مراحل العمر.

الصداقة في معناها الحقيقي قيمة نادرة، تقوم على الإحساس الصادق بالآخر، وعلى قدرة الإنسان أن يرى ما وراء الكلمات. فالصديق الحق لا يحتاج إلى تصريح بالألم، ولا ينتظر شكوى تُقال صراحة؛ بل يدرك التغيّر في النبرة، ويقرأ ما يخفيه الصمت، ويشعر بالانكسار قبل أن يُعلن. أما من يمرّ بجانب وجعك دون أن يلتفت، أو يرى انطفاءك ولا يسأل، فذلك ليس صديقًا بالمعنى العميق للكلمة، مهما طالت العشرة أو كثرت اللقاءات.

ولعل أقسى ما يكتشفه الإنسان مع مرور الأيام أن كثيرًا من العلاقات التي ظنها راسخة لم تكن سوى صحبة مرحلة. يجمع الناس فيها مكان واحد، أو عمل مشترك، أو ظرف مؤقت؛ فإذا تغيّرت الظروف تلاشت تلك الروابط كما يتلاشى الضباب عند أول شعاع للشمس. وحينها يدرك المرء أن ما كان يظنه صداقة لم يكن في الحقيقة إلا توافقًا عابرًا صنعته اللحظة.

من هنا تنشأ خيبة الأمل؛ لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى تصديق المعاني الجميلة، ويريد أن يرى فيمن حوله صدق المودة وعمق الوفاء. لكنه حين يواجه حقيقة البرود الإنساني، أو غياب الإحساس، يكتشف أن الاسم الذي كان يمنحه للعلاقة أكبر بكثير من حقيقتها.

ليس في ذلك دعوة إلى القسوة أو الانعزال، بل إلى قدر من الوعي. فالعلاقات الإنسانية ليست كلها على درجة واحدة من العمق. بعضها مجرد صحبة طريق، وبعضها معرفة عابرة، والقليل جدًا هو الذي يرتقي إلى مرتبة الصداقة الحقيقية.

لذلك ربما يكون من الحكمة أن يخفف الإنسان من توقعاته، وأن يتعامل مع الناس بقدر ما يظهرون من صدق. فإذا لم يشعر أحد بوجعك، ولم يلتفت إلى غيابك أو ضيقك، فالأجدر ألا تمنحه في قلبك مكانًا أكبر مما يستحق. فالقيمة الحقيقية لأي علاقة لا تقاس بعدد السنوات، بل بعمق الإحساس وصدق الحضور.

وهكذا يظل الإنسان يمضي في حياته بين وجوه كثيرة، يتعلم مع كل تجربة أن الصداقة ليست كلمة سهلة تُقال، بل معنى نادر لا يظهر إلا في القلوب التي تعرف كيف تشعر، وكيف تبقى.

22 رمضان


 

 22 رمضان 

اللهُم سخر لي جنود الأرض وملائكة السماء وكل من وليته امري وارزقني حظ الدنيا ونعيم الآخرة ويسّر لي كل امر عسير، وقُل لما اريد كُن ليكون بحولك وقوتك ورحمتك، يارب ايّام جميلة واخبار مفرحة وراحة بال وتوفيق من عندك انك على كل شيء قدير."

2026-03-10

جعران الكرنك

 


كتب الأستاذ الدكتور أحمد عيسي 

استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة 

.............

تصحيح معلومة:

"الجعل" (الجعران) الجميل والرائع من الجرانيت الذي يرجع إلى عهد الملك أمنحوتب الثالث والمتواجد منذ فترة طويلة في رحاب معابد الكرنك بجوار البحيرة المقدسة التي تنتمي إلى فترة حكم الملك تحوتمس الثالث لم يكن في الأصل من منشآت الكرنك، وإنما نقل إلى هذا المكان للحفاظ عليه، فهو ينتمي في الأصل إلى معبد الملك أمنحوتب الثالث الجنائزي غربي طيبة حيث يوجد تمثالا الملك الضخمين (المعروفين شهرة بإسم تمثالي ممنون) واللوحة الضخمة عند نهاية إمتداد محور المعبد، وحيث تجري حاليا في الموقع منذ سنوات حفائر حديثة تم فيها الكشف عن عدة تماثيل وآثار أخرى رائعة من عهد نفس الملك.

ننتظر خطة إعادة بناء لهذا المعبد وإعادة تثبيت ما عثر عليه فيه من آثار لتوضع في سياقها المعماري الصحيح، وبما يتضمن إعادة توطين "الجعران الشهير" في موضعه الأصلي ونقله من معابد الكرنك إلى حيث ينتمي.

ا.د.احمد عيسي

 


كتب الأستاذ الدكتور أحمد عيسي

 استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة 

.........................

تجول ببالي منذ أيام أفكار وخواطر أود تسجيلها في منشور عن وصول المعبود آمون إلى طيبة ومحاولة اللاهوتيين هناك إرساء اسس معتقدات خاصة به ولكنني أتردد واؤجل، وأتساءل هل هذا وقته؟ هل تتسع هذه الأيام العشر المباركة للحديث عن معتقدات أناس يراهم أغلب الناس وثنيين كفارا في أغلب أحوالهم؟ وهنا نتساءل مرة أخرى: هل علم الآثار من "العلم النافع" الذي يثاب عليه الإنسان إذا ما ضيع جل عمره في دراسته؟ وهنا أتذكر ذلك الخطاب بدون توقيع الذي وصلني في بداية عملي في قسم الآثار والمتاحف (كلية السياحة والآثار الآن) بجامعة الملك سعود بالرياض عام ٢٠٠١م، كنت قادما من مصر أحمل my slides التي أدرس بها عادة مقررات آثار الحضارة المصرية بخاصة وحضارات الشرق القديم وبلاد الإغريق بعامة واستعرت projector من مكتبة القسم وشرعت في مباشرة محاضراتي كالمعتاد.

كانت فحوى ذلك الخطاب الغفل من التوقيع تشملها بعض عباراته، مثل: "انت اكلك حرام وعيشتك حرام وبتأكل ولادك حرام"، "انت جاي بلاد الحرمين تدرس لنا الأصنام" وعبارات أخرى في مثل نفس السياق، عشت ليلة كاملة مع الخطاب أسأل نفسي: هل العلم الذي دفعت جل ما فات من عمري وفكري وتفكري "علم نافع" أثاب عليه ؟ أم أنه من قبيل نفل العلوم التي لا تسمن ولا تغني من الله شيئا، وقلت لنفسي لو صح هذا، فإنني من الغد سأبحث لنفسي عن عمل آخر لأطعم من حلال وأطعم أولادي بالحلال، حتى لو عملت أجيرا بذراعي كعمال اليومية، ولكنني سريعا ما عدت لصوابي وتذكرت الآية الكريمة: "قيل سيروا في الأرض وأنظروا....."، وهذا هو "جوهر" عمل الآثاري الحق، تذكرت كذلك موقفا لي مع أحد من الكبار إسما (وأعذروني لا أعتبره أستاذا لي)، وكنت قد حصلت على الدكتوراة ربما قبلها بأسابيع، حين سألني عن خطتي المستقبلية فيما يتعلق بأبحاثي العلمية، فأجبته إنني أفكر في البحث حول "العلاقة بين بينات رب السماء وتأثيرها في المعتقدات المصرية القديمة، وفوجئت برده الصادم: "انت كده حمار، ده حاجة وده حاجة تانية خالص، ابقى شوف مين حيرقيك ؟"، تذكرت كذلك موقفي مع ذلك الطالب السعودي ضخم الجسم الملتحي الذي وقف يناقشني في واحدة من أول محاضراتي هناك عن "فن النحت" لدي المصريين القدماء ويسمعني كلاما شديدا حول "الأصنام" !، تذكرت الخطاب إياه وخمنت أن هذا الطالب هو مرسله، فسألته هل تحفظ شيئا من القرآن، قال نعم، وتابعت هل تحفظ سورة سبأ؟ قال نعم، قلت اتلو علينا الآية رقم ١٣، فتلى: "يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات"، سألته عن معنى الآية الكريمة، فقال بأن الجن كان يسخرهم سيدنا سليمان عليه السلام ليعملون له هذه الاشياء، فسألته: من هو سليمان، فأجابني باندهاش- وكأنني لا أعلم ذلك هو "نبي" !، فقلت له هو "نبي" و هو كذلك "ملك"، وتابعت أسأله لو قابلت "الملك فهد" (وكان لا يزال حيا يرحمه الله) وأمرك شيئا اتنفذه ؟ قال نعم، قلت لماذا؟ قال هو سيدي ومولاي، وقلت ومم تعرف أنه هو الملك فهد بنفسه، هل أنت قريبه؟, فاستغرب. وقال الدنيا كلها تعرفه وترى صورته في المجلات والتليفزيون والصحف ؟، فقلت له قديما لم تكن هناك مجلات أو صحف أو تليفزيون، ولأن سيدنا سليمان عليه السلام كان "نبيا" فإنه كان يأمر الجن بأن يصنعوا له محاريب ليصلي فيها ويتعبد ربه (بالقياس: "كلما دخل عليها زكريا المحراب")، ولأنه "ملك" كان يأمر الجن بأن يصنعوا له "تماثيل"، باعتبارها "الصور الفوتوغرافية" الخاصة بالعصور القديمة، وحيث كان دأب الشعوب قديما اقامة التماثيل لملوكهم ونصبها في كافة ربوع مناطق حكمهم ليتعرف الناس عليهم من بين حاشيتهم ويطيعوا أوامرهم، هكذا كانت اهم أهداف صناعة التماثيل للملوك والحكام قديما، وكما يقولون بأن: "لكل مقام مقال"، كذلك كان لكل عصر مقوماته ومفاهيمه التي يقاس عليها.

وهكذا فإنني أحتسب على الله راجيا ومتوسلا في هذه الأيام المباركة أن يحتسب الجهد المقل لعبده الضعيف في سبيل فهم ومحاولة استقصاء تأثير بينات رب السماء على معتقدات الناس بعامة والمصريين القدماء بخاصة في ميزان أعمالي، وظني أنه بإذن الله من "العلم النافع"، وألا أكون- بفضله وكرمه ورحمته- من "الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"، اللهم اميين يا أكرم الأكرمين يارب، وموعدنا بعد العيد- إن شاء الله- مع المنشور الثالث من سلسلة "آمون في طيبة".

2026-03-09

عن السيدة هاجر المصرية

 


كتب الأستاذ الدكتور أحمد عيسي

 استاذ الأثار المصرية القديمة بكلية الأثار جامعة القاهرة

...........

عن السيدة الجليلة "هاجر" المصرية رضي الله عنها، أتحدث (٢):

أسلفنا فيما سبق عما احتملناه من دخول سيدنا إبراهيم عليه السلام مع رهطه الكريم إلى مصر خلال العام الأخير من حكم الملك أمنمحات الأول مؤسس الأسرة الثانية عشرة. ولهذا الملك الذي أسس عاصمة جديدة في اللشت ونقل عاصمة الأسرة الحادية عشرة من طيبة قصة غير عادية بدأها نص أدبي معاصر يصفه بأنه "إبن إمرأة من تا-ستي"، وهذه التسمية، بمعنى أرض الأقواس، تشير بعامة إلى بلاد النوبة، التي اشتهر محاربوها بمهارة القتال بالأقواس والسهام، وكأنه يذكره على أنه "إبن السوداء"، فلقد كان إبنا للملك منتوحتب الخامس آخر ملوك الأسرة الحادية عشرة من جارية نوبية، وقد منعته الأسرة لهذا السبب من حقه في ولاية العهد ونصبته وزيرا كلفته بأمور شاقة مثل حملات التحجير في صحراء جرداء تعرض اثناءها إلى بعض المخاطر، وهي مهام لم يكن يعهد بها لكبار الأمراء، ويبدو أنهم قد كلفوه كذلك بمهمة تأمين حدود مصر الشرقية بأسوار حامية ذات أبراج، لم يطلق عليها أسوار الملك، بل أسوار الأمير، نسبة اليه، وهكذا حاولوا بشتى الطرق إبعاده عن العاصمة وتكليفه بمهام شاقة لعله يهلك أثناءها، ولكنه كان قويا وعنيدا فلم تستطع العائلة المالكة حجبه عن العرش بعد وفاة والده، فتولاه برغم نقمتهم عليه، ولم يلبث أن ترك لهم طيبة كلها ورحل بزوجاته وأولاده إلى منطقة الفيوم بالقرب من عاصمته الجديدة "اللشت" واتخذ فيها القصور والاستراحات والمزارع الشاسعة وإستصلح الكثير من الأراضي وأقام الجسور والقنوات، ولكن صفة "إبن السوداء" ظلت، فيما يظن، ملتصقة به بين مقربي بلاطه ينعتونه بها فيما بينهم وبين أنفسهم.

وكان اللقاء بالصدفة أو بالإستدعاء بين هذا الملك المجروح بلونه وجنس أمه وبين الخليل إبراهيم وزوجته ساره (الشقراء غالبا) وجميلة زمانها أصلا، ولما اخبره خليل الرحمن بأنها "أخته" (ليس كذبا، وإنما بنيته الصادقة أنها أخته في الإسلام) طلب إستضافتها في قصره تكريما له ولها، وخصص لها مرافقة شابة مصرية صغيرة لطيفة من وصيفات الحريم الملكي تدعى "هاجر"، ولم يلبث أن طمع في السيدة سارة وحاول التقرب منها عدة مرات رضاءا، أو غصبا، فشلت يده ومنعها الله سبحانه وتعالى منه، ولاحظ أثناء ذلك قرب وصيفتها منها، والتي كانت شاهدة على ما يحدث، ودخل الإيمان في قلبها مما شاهدته من حماية الله لحرم خليل الرحمن، التي ربما كانت قد اسرت لها بأنها زوجته وليست أخته.

وهكذا إستيأس الملك من سارة فأطلقها ورأى تكريمها بأن وهبها وصيفتها "هاجر" المصرية القريبة من قلبها، وبعد هذه الحادثة قرر سيدنا إبراهيم الرحيل والعودة بسلام مع رهطه إلى أراضيه؛ ولكن أمنمحات لم يمر عليه هو الآخر ذلك الموقف بسلام، فاجتمعت عليه زوجاته ولم يعجبهن أن إبن السوداء اللائي لم يكن راضيات أو قابلات به أصلا قد زهد فيهن من أجل الشامية الجميلة، ومن ثم انتهزوا فرصة غياب ولده الأكبر وولي عهده، الملك سنوسرت الأول، الذي كان قد أشركه معه في الملك بالفعل قبل عدة سنوات، على رأس حملة عند الأراضي الليبية (أرض التمحو) فتواطأوا على قتله وقتلنه بالفعل، ونستكمل إن شاء الله. 

21 رمضان

 


٢١ رمضان اول ليله وتريه

اللهم إن كانت هذه الليلة ليلة القدر فأرفع أسمائنا في صحائف العُتقاء من النار ، اللهُم إننا نستودعُك أدعيِة فاضت بها قلوبنا فإستجبها يارحيم ،اللهم أجعلنا من الذين تدبر فرحتهم في السماء الآن و أمانيهم أوشكت أن تكون انك علي كل شئ قدير

غروب الهيبة

 


كتب دكتور محمد الشافعي 

حين يتطاول التلميذ على أستاذه: انكسار المعنى قبل انكسار الهيبة

ليست العلاقة بين الأستاذ وتلميذه علاقة عابرة تُبنى على تبادل المعلومات فحسب، بل هي في جوهرها علاقة إنسانية عميقة تقوم على الاحترام، ويقوم بنيانها على الاعتراف بفضل من يفتح أبواب المعرفة. فالأستاذ ليس مجرد ناقل للعلم، بل هو حامل رسالة، وصانع وعي، ومرشد يضيء الطريق لمن يسيرون في بداياته. لذلك فإن تطاول التلميذ على أستاذه ليس مجرد خطأ عابر في السلوك، بل هو خلل أعمق يمسّ منظومة القيم التي يقوم عليها التعليم ذاته.

حين يرفع التلميذ صوته على أستاذه، أو يتجاوز حد الأدب في حديثه أو فعله، فإن المشهد لا يكون مجرد خلاف بين شخصين، بل يصبح علامة على تراجع مفهوم الهيبة العلمية، وانحسار تقدير المعرفة وأهلها. فالأمم التي تحفظ مكانة معلميها إنما تحفظ بذلك مكانة العلم نفسه، أما حين يُنتقص من قدر الأستاذ، فإن أول ما يُصاب بالضعف هو احترام العلم في النفوس.

وقد كان أسلافنا يدركون هذه الحقيقة إدراكًا عميقًا. فكان الطالب يقف أمام معلمه وقفة تقدير قبل أن تكون وقفة تعلم. ولم يكن ذلك خضوعًا لشخص، بل إجلالًا للعلم الذي يحمله. ولهذا قيل قديمًا إن العلم لا يُنال إلا بالتواضع له، وإن أول مفاتيح الفهم هو الأدب مع المعلم.

ومع ذلك، فإن تطاول التلميذ لا ينشأ دائمًا من فراغ. فكثيرًا ما يكون انعكاسًا لمناخ اجتماعي أوسع فقد فيه الناس حساسية الاحترام، أو تأثر بثقافة استهلاكية تضع الجميع في ميزان واحد، فلا تميز بين صاحب الخبرة والمبتدئ، ولا بين المعلم والمتعلم. وفي أحيان أخرى يكون نتيجة ضعف في التربية أو غياب القدوة التي تعلّم الإنسان كيف يختلف دون أن يسيء.

لكن يبقى الأثر الأشد ألمًا حين يرى الأستاذ نفسه موضع تجاوز من تلميذ كان يظنه يومًا امتدادًا لجهده وتعبه. فالأستاذ الحقيقي لا يضيق بالنقد، ولا يخشى السؤال، بل يرحب بهما لأنهما من صميم العملية التعليمية. غير أن الفرق كبير بين نقدٍ مهذب يبحث عن الحقيقة، وبين تطاولٍ يجرح المقام ويهدم جسور الاحترام.

إن احترام الأستاذ ليس امتيازًا شخصيًا له، بل هو ضرورة تربوية تحفظ للعلم هيبته وللتعليم رسالته. فحين يسقط هذا الاحترام، تتحول قاعات الدرس إلى ساحات جدل عقيم، ويتراجع دور المعلم من موجه للعقول إلى مجرد موظف يؤدي واجبًا بلا أثر.

ولهذا فإن المجتمع الذي يريد أن يحفظ مستقبله لا بد أن يعيد الاعتبار لمعلمه، وأن يرسخ في نفوس أبنائه أن الأدب مع الأستاذ ليس تقليدًا قديمًا فحسب، بل هو قيمة حضارية عميقة. فالعلم بلا احترام يفقد روحه، والتعليم بلا تقدير لمعليه يصبح جسدًا بلا معنى.

وفي النهاية يبقى السؤال الأكبر:

هل يدرك التلميذ الذي يتطاول على أستاذه أنه لا يهين شخصًا واحدًا، بل يهدم سلّمًا كان من المفترض أن يصعد عليه؟

فمن كسر هيبة معلمه اليوم، قد يكتشف يومًا أنه كسر أولى درجات احترام نفسه قبل كل شيء.