2026-02-27

حين يهبط الظلّ بلا موعد

 


كتب دكتور محمد الشافعي 

ليس الاكتئاب دائمًا عاصفةً صاخبة تُحطِّم ما حولها، بل قد يكون غيمًا خفيفًا ينساب إلى النفس في صمت، فيحجب عنها نورها المعتاد. يأتيني — كما يأتي غيري — على فترات متباعدة، بلا إنذار واضح، وبلا سببٍ بيّن أستطيع أن أضع عليه إصبعي. وأحيانًا أعرف من أين تسلّل؛ من توترٍ تراكم، أو قلقٍ طال مكثه، أو مسؤولياتٍ تكاثرت حتى صارت أثقل من أن تُحمل بخفة.

الاكتئاب ليس ضعفًا في الإرادة، ولا خللًا في الإيمان بالذات، ولا عجزًا عن الفهم. هو حالة إنسانية مركبة، قد تزور صاحب العقل الراجح كما تزور صاحب القلب الحساس، وقد تصيب الأستاذ الجامعي كما تصيب طالبًا في مقتبل العمر. بل لعلّ من يُحمِّل نفسه مسؤولياتٍ علمية وإدارية، ويعيش بين قاعات المحاضرات ومجالس الإدارة، يكون أكثر عرضة لتلك الظلال الخفية؛ لأن عقله لا يهدأ، وقلبه لا يعرف التراخي.

في قاعة الدرس، أقف متماسكًا، أشرح، وأحلل، وأناقش، وأقود العقول الشابة إلى آفاق المعرفة. وفي مجلس الإدارة، أوازن بين الأرقام، وأحسم القرارات، وأتحمل تبعاتها. أبدو — أمام الجميع — صاحب رؤيةٍ وقرار. غير أن النفس لها شأنٌ آخر؛ فهي لا تُقاس باللقب، ولا تُشفى بالمكانة، ولا تُروَّض بكثرة الإنجاز.

أحيانًا يكون السبب واضحًا: ضغطٌ في العمل، مشروعٌ متعثر، شراكةٌ تحتاج إلى حكمةٍ مضاعفة، أو توترٌ يتراكم من تعدد الأدوار بين العلم والإدارة. وأحيانًا لا يكون ثمة سبب ظاهر؛ فقط شعورٌ بالانطفاء المؤقت، وكأن الروح تطلب هدنةً قصيرة من صخب الأيام.

إن من أخطر ما في الاكتئاب الصامت أن صاحبه يلوم نفسه عليه؛ يتساءل: كيف أشعر بهذا، وأنا أملك ما أملك من علمٍ وخبرةٍ ومكانة؟ لكنه سؤالٌ جائر؛ فالمشاعر لا تُدار بمنطق المحاسبة، ولا تُختزل في كشف حساب.

لقد تعلمت — من خبرتي في التعليم والإدارة — أن الاعتراف بالمشكلة أول طريق إدارتها. وكما أن أي مؤسسة تحتاج إلى مراجعةٍ دورية، فإن النفس كذلك تحتاج إلى وقفةٍ صادقة: ماذا أثقلني؟ ماذا أرهقني؟ ما الذي تجاهلته طويلًا حتى تراكم في داخلي؟

ليس العيب أن يطرق الاكتئاب باب المرء، بل العيب أن يُنكره أو يتركه يستوطنه. أما التعامل معه فيبدأ بالفهم، ثم بالرفق. قليلٌ من العزلة الواعية، بعضُ إعادة ترتيب الأولويات، تخفيفُ سقف التوقعات، والتصالحُ مع فكرة أن الإنسان — مهما علت مكانته — يظل إنسانًا.

ولعل في طبيعة عملي ما يُضاعف الإحساس بالمسؤولية؛ فالأستاذ يُنتظر منه الاتزان، ورئيس مجلس الإدارة يُنتظر منه الحسم. غير أن الاتزان لا يعني انعدام المشاعر، والحسم لا يعني غياب الهشاشة الإنسانية. القوة الحقيقية ليست في أن لا نحزن، بل في أن نعرف كيف ننهض بعد الحزن.

إن الاكتئاب — حين يُفهم — يتحول من خصمٍ غامض إلى رسالةٍ تحتاج قراءة. رسالةٌ تقول: تمهّل. راجع. خفّف. اعتنِ بنفسك كما تعتني بمشروعاتك. فالنجاح المهني لا يُغني عن السلام الداخلي، والمكانة لا تُغني عن الطمأنينة.

وفي النهاية، يظل هذا الشعور — مهما اشتد — عابرًا، كظلِّ سحابةٍ تمرّ في سماءٍ واسعة. والسماء في حقيقتها أوسع من كل سحابة، وأصفى من كل غيم. كذلك النفس، إذا أحسنّا إليها، ورفقنا بها، وأعطيناها حقّها من الراحة والمراجعة والصدق.

ليست هناك تعليقات: