كتب دكتور محمد الشافعي
ليست السعادة وصفةً معقّدة تُشترى، ولا سرًّا غامضًا يُكتشف في بطون الكتب، بل هي أقرب إلينا مما نظن؛ تسكن في عاداتٍ صغيرة إذا داومنا عليها صنعت في أرواحنا فرقًا كبيرًا. ومن بين تلك العادات أربعٌ تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في باطنها: المشي، وشرب الماء، والنوم الجيد، والبعد عن التوتر.
المشي ليس مجرد حركة للأقدام، بل هو تصالح يومي مع الجسد والروح. حين نمشي، تنتظم أنفاسنا، وتصفو أفكارنا، ويهدأ اضطراب الداخل. في الخطوات المتتابعة نوعٌ من التأمل الصامت؛ كأن الإنسان يترك خلفه أثقال يومه مع كل خطوة، ويستعيد توازنه الطبيعي. المشي يوقظ الدورة الدموية، وينشّط القلب، ويعيد للجسد حيويته، لكنه في الوقت ذاته يمنح النفس فسحةً من الصفاء لا تُقدّر بثمن.
أما شرب الماء فهو أصل الحياة وسرّ بقائها. به تنتعش الخلايا، ويصفو الذهن، وتعتدل وظائف الجسد. كثيرًا ما نبحث عن منشّطاتٍ تُنعش عقولنا، ونغفل عن أبسط علاج: كوب ماءٍ صادق. إن ترطيب الجسد ليس ترفًا، بل ضرورة تحفظ النشاط، وتقلّل الإرهاق، وتُشعر الإنسان بخفةٍ ولين. الماء رسالة نقاءٍ متجددة، كلما استجبنا لها شعرنا بأن الحياة تجري في عروقنا بسلاسةٍ أكبر.
وإذا كان النهار حركةً وسعيًا، فإن النوم الجيد هو ميزان الاتزان. في ساعاته الهادئة يُرمَّم ما تكسّر، ويُجبر ما وهن، ويستعيد العقل صفاءه. ليس النوم هروبًا من الواقع، بل هو إعدادٌ صامت لمواجهته بقوة. من حُرم النوم اختلّ مزاجه، وتشتّت فكره، وضعفت مناعته. أما من أعطى جسده حقه من الراحة، فقد منح نفسه فرصة بدايةٍ جديدة كل صباح.
ويبقى البعد عن التوتر تاج هذه العادات الأربع. فالتوتر نارٌ خفيّة تلتهم الجسد قبل أن تُرهق الفكر. حين نختار الهدوء، ونتدرّب على التسليم بما لا نملك تغييره، ونُحسن إدارة ما نستطيع، فإننا نغلق أبوابًا كثيرة من القلق. لا يعني ذلك تجاهل المسؤوليات، بل التعامل معها بعقلٍ رصين ونفسٍ مطمئنة. السكينة ليست ضعفًا، بل قوةٌ داخلية تحفظ التوازن في خضمّ العواصف.
إن اجتماع هذه العادات الأربع يصنع أسلوب حياةٍ متكاملًا؛ حركةٌ تُنعش، وماءٌ يُحيي، وراحةٌ تُرمّم، وهدوءٌ يحمي. ليست السعادة ضجيجًا صاخبًا، بل انسجامٌ هادئ بين الجسد والنفس. ومن أحسن العناية بأساسياته، وجد أن الحياة – رغم ما فيها – أيسرُ وأجمل مما كان يظن.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق