دكتور محمد العوادي
النصيبُ سرٌّ من أسرار الحياة، لا يُدرك بالعقل وحده ولا يُفسَّر بمنطقٍ محدود، إنما هو تدبيرٌ إلهيٌّ عميق ينسج خيوطه في الخفاء، ثم يُظهرها في الوقت الذي يشاء. قد تظن أن ما أمامك صار ملكًا لك، وأن الطريق قد اكتمل وصولًا إلى غايته، فإذا به يتفلّت من يديك كالماء، فلا تملك له بقاءً ولا تستطيع له دفعًا. وقد تظن أن ما تتمناه بعيد، وأن بينك وبينه جبالًا من العوائق، فإذا به يأتيك سهلًا ميسورًا، بغير جهدٍ ولا سعيٍ يُذكر، ليذكّرك أن الأمر كله لله، وأنك عبدٌ في مملكةٍ لا سلطان لك فيها إلا الرضا.
الحياة محطات، كل محطة فيها وجوه وأحداث تظنها ثابتة، فإذا بها عابرة، تمضي لتُخلّي مكانًا لغيرها، وكأنها لم تأت إلا لتُهيّئ قلبك لاستقبال نصيبٍ آخر، هو المرسوم أن يكمل الرحلة معك. فمَن كُتب له البقاء بجوارك سيظل حاضرًا رغم تقلب الأيام، ومن لم يُكتب لك فلن تُبقيه قوة، ولن يحفظه حبل من روابط البشر.
في لحظةٍ ما، تدرك أن ما يخرج من بين يديك لم يكن ليبقى، وما يتأخر عنك لم يكن إلا ليأتيك في أوانه الأجمل، وأن الله سبحانه وتعالى، بلطفه الخفي وحكمته البالغة، يدبّر لك ما لا تراه عيناك ولا يخطر ببالك. عندها يهدأ القلب، ويطمئن العقل، وتستكين الروح إلى يقين أن ما كُتب لك لن يخطئك، وما لم يُكتب لن تدركه ولو جريت وراءه عمرًا.
فلا تحزن على ما فات، ولا تستعجل ما هو آت، ولا تظن أن الرزق يضيع أو أن النصيب يتوه، فما عند الله لا يضيع، وما قُدّر أن يكون سيكون في اللحظة التي اختارها لك ربك، لا قبْلها ولا بعدَها. سلّم أمرك لمن هو أرحم بك من نفسك، وأحن عليك من والديك، سلّمها لله، تسلم، وامضِ في دربك بقلبٍ راضٍ ووجهٍ مبتسم، فالحياة وإن طالت قصيدة لا يكتب أبياتها إلا القدر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق