دكتور محمد الشافعي
مقدمة عن أقاليم مصر العليا
في ضوء Lexikon der Ägyptologie وآراء كبار علماء المصريات
يُجمع الباحثون المعاصرون على أن أقاليم مصر العليا تمثّل الشكل الأقدم والأكثر ثباتًا للتنظيم الإقليمي في مصر القديمة. وقد أكّد Kurt Sethe أن الإقليم (spꜣt) لم ينشأ كوحدة إدارية بالمعنى الحديث، بل ككيان ديني–محلي سابق على الدولة، ارتبط بمركز عبادة ومعبود إقليمي، ثم أُدمج لاحقًا في بنية الدولة الموحدة
(Sethe, Untersuchungen zur Geschichte und Altertumskunde Ägyptens, Bd. III, 1930, ص 220–223).
ويطوّر Hermann Kees هذا التصور، موضحًا أن أقاليم مصر العليا احتفظت بهويتها الدينية والرمزية حتى في فترات قوة السلطة المركزية، وأن فهم الدين المصري لا يمكن فصله عن الإطار الإقليمي. ويرى كيس أن الشعارات الإقليمية ليست رموزًا إدارية، بل بقايا مباشرة لعبادات محلية ضاربة في القدم
(Kees, Der Götterglaube im alten Ägypten, 2. Aufl., 1956, ص 64–70).
ويؤكد Wolfgang Helck أن التنظيم الإقليمي في مصر العليا اتّسم بدرجة ملحوظة من الاستمرارية، ويربط ذلك بالعوامل الجغرافية لوادي النيل الجنوبي. كما يذهب إلى أن نفوذ حكّام الأقاليم في الجنوب خلال عصر الانتقال الأول لم يكن خروجًا على النظام، بل نتيجة طبيعية لتجذّر الإقليم كوحدة سلطة محلية
(Helck, Verwaltung des Mittleren und Neuen Reiches, 1958, ص 12–18).
ويُعرض هذا الفهم بشكل منهجي في Lexikon der Ägyptologie، حيث يوضح مدخل spꜣt أن المصطلح المصري القديم يشير إلى “مجال إقليمي ذي هوية دينية وقانونية”، وأنه لا يجوز مساواته بالمفهوم الإداري الحديث
(Lexikon der Ägyptologie, Bd. V, Sp. 1146–1153، مادة: spꜣt).
أما مدخل Gau، فيؤكد أن استخدام هذا المصطلح في الدراسات الحديثة هو استخدام وصفي، لا يعكس بالضرورة التصور المصري الأصلي، مع الإشارة إلى أن أقاليم مصر العليا تمثّل النموذج الأوضح والأقدم لهذا التنظيم
(LÄ, Bd. II, Sp. 383–388، مادة: Gau).
وفيما يخص مصطلح Nomos، يوضح مدخل الموسوعة أن اللفظ اليوناني يُعد إعادة تفسير إدارية متأخرة لبنية مصرية أقدم، وأنه يعجز عن نقل الأبعاد الدينية والرمزية الكامنة في مفهوم spꜣt، خاصة في مصر العليا
(LÄ, Bd. IV, Sp. 510–517، مادة: Nomos).
ويخلص Jean Yoyotte إلى أن صعود طيبة ودورها السياسي والديني لا يمكن فهمه خارج الإطار الإقليمي لمصر العليا، حيث مثّلت الأقاليم الجنوبية خزّان التقاليد الملكية والدينية التي أعادت توحيد البلاد في الدولة الوسطى
(Yoyotte, “Les principautés du sud”, BIFAO 60, 1960, ص 45–52).
---
الخلاصة
استنادًا إلى ما سبق، كما يتّضح من Lexikon der Ägyptologie وأعمال Sethe وKees وHelck وYoyotte، فإن أقاليم مصر العليا ليست مجرد وحدات إدارية، بل كيانات تاريخية ودينية شكّلت أحد أعمدة استمرارية الدولة المصرية، وهو ما يجعل دراستها ضرورة لفهم بنية السلطة والدين في مصر القديمة.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق