دكتور محمد الشافعي
المطر ينزل، والناس تتحدث، والقدر يدور في فلكه، فلا يد لك في إيقاف المطر، ولا سلطان لك على ألسنة البشر، ولا قوة لك لتطويع القدر كما تشاء. إن في الكون سننًا تجري بغير استئذانك، وأقدارًا تُساق دون أن تُستشار فيها، فلو قضيت عمرك كلَّه تحاول السيطرة عليها، لعشت في صراع لا ينتهي، وهزيمة لا تُداوى.
لكن عظمة الإنسان لا تكمن في أن يُمسك بزمام كل ما حوله، بل في أن يُحسن الإمساك بزمام نفسه. هنا الفارق بين من يغرق في العاصفة، ومن يحوِّلها إلى ريح تدفعه نحو المرفأ. المطر قد يكون وحلًا يثقل الخطى، وقد يكون ماءً يغسل الأرواح ويحيي الأرض بعد موتها. والناس قد يكون كلامهم سيفًا مسمومًا، وقد يكون صدىً فارغًا لا يستحق أن يُعطى انتباهًا. والحظ قد يبتسم أو يعبس، لكن العقل الواعي لا يعلّق مصيره على ابتسامة عابرة، بل يصنع مساره بالجهد والمثابرة.
ليست القوة في السيطرة على الخارج، بل في إحكام الرد على الداخل. رد الفعل هو مرآة النضج، وهو الفاصل بين الضعف والحكمة. من امتلك نفسه ساعة الغضب، ومن اختار الصبر ساعة البلاء، ومن فضّل الرضا ساعة الحرمان، فقد ملك ما لم يملكه سلطان ولا ثري.
فالطريق إلى السكينة لا يُعبّد بمنع المطر ولا بإسكات الناس ولا بترويض الحظ، بل يُفتح حين نتعلم أن نكون أسياد ردود أفعالنا. وحينئذٍ، يصبح المطر موسيقى، وكلام الناس هواءً عابرًا، والحظ تفصيلًا صغيرًا في كتاب الإرادة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق