2026-02-11

في عشق القهوة

 


دكتور محمد العوادي 

عندما تفوح رائحة القهوة، لا تكون مجرد رائحةٍ عابرة، بل رسالة خفية توقظ الذاكرة، وتفتح أبواب القلب على مصاريعها. إنّها رائحة لا تُشمّ بالأنف وحده، بل تُستقبل بالروح، فتستحضر وجوهًا غابت، وأصواتًا سكنت الصمت، ودفئًا كان يومًا قريبًا ثم باعدت بينه وبيننا المسافات.

القهوة ليست شرابًا يُعدّ على عجل، بل طقسٌ كامل، يبدأ بالانتظار وينتهي بالتأمل. وحين يغلي الماء وتتصاعد الأبخرة، تتسلل الذكريات كما تتسلل الرائحة، بلا استئذان. فجأةً نجد أنفسنا نجلس مع أشخاص لم يعودوا إلى جوارنا، لكنهم لم يغادروا القلب قط. نراهم في فنجان القهوة، ونسمع ضحكاتهم في رنين الملاعق، ونشعر بحضورهم في سكون اللحظة.

ما أغرب هذا الارتباط بين القهوة والحنين. كأنّها خُلقت لتكون وسيطًا بين الأمس واليوم، بين من كنّا ومن صرنا. هي رفيقة الصباحات الأولى، وشاهدة المساءات الطويلة، وملجأ الروح حين يثقلها التعب. معها نتذكر أحاديث لم تُستكمل، ووعودًا لم تُخلف، بل تأجلت خلف المسافات.

عشقي للقهوة ليس ولعًا بمذاقها فحسب، بل انحيازٌ لما تحمله من معانٍ. أحبّها لأنها صادقة؛ مُرّة كما هي الحياة، لكنها تمنح دفئًا لا يُقاوَم. أحبّها لأنها تعلّمني أن الغياب لا يلغي الحضور، وأنّ من يسكن القلب لا تُخرجه الأيام ولا تُبعده الطرق.

وفي كل مرة تفوح فيها رائحة القهوة، أدرك أنّ الحنين ليس ضعفًا، بل وفاء. وفاءٌ لأشخاص تركوا أثرهم فينا، فصاروا جزءًا من ذاكرتنا، ومن طقوسنا الصغيرة، ومن فنجان قهوة لا يكتمل إلا بذكراهم.

ليست هناك تعليقات: