دكتور محمد الشافعي
أربعون عامًا في رحاب الجامعة
أربعون عامًا قضيتها بين جدران قسم الآثار؛ طالبًا، ومعيدًا، وأستاذًا. أربعة عقود لم تكن مجرد سنوات عابرة في سجل الحياة الوظيفية، بل كانت عمرًا كاملًا من التدريس والبحث والعمل الأكاديمي، تنقلت خلالها بين قاعات المحاضرات وغرف الكنترول، ومجالس الأقسام واللجان المختلفة، حتى وصلت إلى ما يُسمّى بالجودة، ذلك الملف الذي لم أعترف به يومًا، ولن أعترف به، لأنه في تقديري ليس إلا كذبًا موثقًا، وأوراقًا أنيقة لا تمت بصلة حقيقية إلى واقع العملية التعليمية.
لكن ما يدفعني إلى كتابة هذه السطور ليس استدعاء الذكريات، ولا مجرد الحنين إلى سنوات مضت، وإنما ذلك الإيقاع المتسارع للعمل الجامعي في السنوات الأخيرة، حتى أصبح الشعور بالراحة أمرًا نادرًا، وكأن الأستاذ الجامعي قد كُتب عليه أن يظل في حالة استنفار دائم، لا يكاد ينتهي من مهمة حتى يجد نفسه أمام عشر مهام أخرى تنتظره.
تبدأ الحكاية بإعداد المحاضرات والعروض التقديمية لكل مقرر، ثم التدريس داخل قاعات الكلية، ومتابعة المحاضرات عبر الإنترنت، وما يتطلبه ذلك من إعداد ومراجعة ومتابعة. وما إن تستقر العملية التعليمية قليلًا حتى يطل الميدتيرم، ثم الامتحانات الشفوية، ثم الامتحانات النهائية، في دورة متلاحقة لا تكاد تترك للأستاذ فرصة لالتقاط أنفاسه. وبين هذه المراحل تتوالى ساعات العمل والتحضير والمراجعة، في محاولة لتغطية المقررات الدراسية بالكفاءة التي تليق بمسؤولية الأستاذ ومكانته العلمية.
ثم تأتي الأعمال التي لا يراها كثيرون، وربما لا يدركون حجم ما تستهلكه من وقت وجهد؛ إعداد الامتحانات، وهو عمل لم يكن يومًا من الأمور المحببة إلى نفسي، ثم تصحيحها، وإعداد كشوف الدرجات، ورصد أعمال السنة والاختبارات الشفوية والنهائية، ومراجعة النتائج، وتحويلها إلى ملفات إلكترونية، ورفعها وفق المتطلبات الإدارية. تفاصيل متشابكة، تتطلب دقة بالغة وصبرًا طويلًا، وكأن الأستاذ مطالب بأن يكون نحلة لا تهدأ، تنتقل من عمل إلى آخر، دون أن يكون لها حق التوقف.
ولم يكن الأمر على هذا النحو قبل سنوات قليلة. لقد أدى تطبيق نظام الساعات المعتمدة، في صورته التي نعيشها، إلى تضخم الأعباء الإدارية والتعليمية بصورة غير مسبوقة، حتى بات الأستاذ يقضي وقتًا طويلًا في ملاحقة الإجراءات والجداول والتقييمات، على حساب ما يفترض أن يكون جوهر عمله: التدريس والبحث العلمي والتواصل الحقيقي مع طلابه. وهنا يبرز سؤال مهم: هل جاءت هذه النظم لتيسير العملية التعليمية والارتقاء بها، أم تحولت إلى عبء إضافي يستهلك طاقة الأستاذ ويشتت جهده؟
وإذا كانت أعباء الأستاذ قد تضاعفت، فإن ما يثير القلق أكثر هو التغير الذي طرأ على طبيعة الطالب وعلاقته بالتعليم. فقد أصبحنا أمام شريحة من الطلاب لا تبدي الاهتمام الكافي بالدراسة، ولا تحرص على حضور المحاضرات، بل إن بعضهم قد لا يعرف اسم أستاذ المقرر، وربما لا يمتلك تصورًا واضحًا عن طبيعة المادة التي يدرسها. لم تعد قاعة المحاضرات دائمًا ذلك المكان الذي يلتقي فيه الشغف بالمعرفة، ويجد فيه الأستاذ عقلًا مستعدًا للسؤال والمناقشة والتعلم.
ولا أقول ذلك إنكارًا لاختلاف الأجيال، أو رفضًا لكل جديد، وإنما انطلاقًا من مقارنة عايشتها بنفسي على امتداد أربعة عقود. لقد تغيرت أشياء كثيرة، ولم يكن التغير كله إلى الأفضل. فالجامعة ليست جداول تُستوفى، ولا درجات تُرصد، ولا ملفات تُرفع، ولا استمارات تُملأ؛ الجامعة في جوهرها عقل يتعلم، وأستاذ يعلّم، وعلاقة علمية وإنسانية تقوم على الاحترام والجدية والرغبة في المعرفة.
أربعون عامًا تمنح صاحبها حق المقارنة، لا من موقع المتفرج، وإنما من موقع من عاش تفاصيل التجربة، وعرف الجامعة في مراحل مختلفة، وشهد تحولاتها عن قرب. وما أراه اليوم يدفعني إلى القول إننا نعيش واحدة من أسوأ حالات الحياة الجامعية؛ حيث تضخمت الإجراءات حتى كادت تطغى على العلم، وتراجعت جدية العلاقة بين الطالب والدراسة، وأصبح الأستاذ مطالبًا ببذل جهد متزايد في منظومة لا تمنحه دائمًا فرصة للقيام بدوره الحقيقي.
ولعل أكثر ما يؤسفني أن الجامعة التي قضيت فيها معظم عمري أصبحت تستهلك من الأستاذ أكثر مما تتيح له أن يعطي. وما زلت أؤمن بأن قيمة الأستاذ لا تُقاس بعدد الملفات التي أنجزها، ولا بعدد الدرجات التي رصدها، ولا بقدرته على ملاحقة الإجراءات المتلاحقة، وإنما بما يتركه من أثر في عقول طلابه، وما يقدمه للعلم والمعرفة.
أربعون عامًا كانت كافية لأن أعرف الجامعة وأحبها وأدرك قيمتها، لكنها كانت كافية أيضًا لأن أرى كيف يمكن أن تتراجع مؤسسات العلم حين تنشغل بمظاهر التنظيم عن جوهر رسالتها.
وليس أشد إيلامًا على من أفنى عمره في الجامعة من أن يجد نفسه في نهاية المطاف منشغلًا بكل شيء تقريبًا، إلا الشيء الذي جاء إلى الجامعة من أجله: العلم.
