دكتور محمد الشافعي
الاختلاف الذي يُورث احترامًا
من أجمل ما يرزق الله الإنسان في حياته أن يلتقي بنماذج بشرية نادرة، تمتلك صفاء السريرة، واستقامة الخلق، وشجاعة الرأي. نماذج لا تُجيد المجاملة على حساب الحقيقة، ولا تعرف التلون إرضاءً لأحد، بل تتعامل بأمانة واحترام وثقة، فتجعل الحوار معها حوارًا حقيقيًا بين عقلين، لا مجرد ترديد لما يرغب أحد الطرفين في سماعه.
وقد رزقني الله بتلميذة أعتز بها كثيرًا؛ لما وجدته فيها من هذه الصفات الرفيعة. فهي تُبدي رأيها بوضوح، وتدافع عنه بأدب وثبات، فإذا اقتنعت بشيء تمسكت به، وإذا رأت غير ذلك قالت ما تؤمن به دون تردد أو مواربة. وهذه خصلة لا تُقدَّر بثمن، لأنها دليل على شخصية مستقلة، ونفس واثقة، وتربية أصيلة.
وأذكر أنني في أحد المواقف صارحتها بعدم ارتياحي لأحد الطلاب، ثم ذكرت لها أنني شعرت بشيء من الارتياح عندما دخل في نقاش مع طالبة أخرى. غير أنها رفضت هذا الشعور رفضًا قاطعًا، ورأت أنه لا يليق بي، وأصرت على موقفها بكل احترام، ولم تجعل لمكانتي أستاذًا أي تأثير على قناعتها. لم تُجامل، ولم تُداهن، ولم تبحث عن الطريق الأسهل، وإنما اختارت طريق الصدق.
ولم يزدني هذا الموقف إلا احترامًا لها. فكم من الناس يوافقون من أمامهم طلبًا للسلامة، أو هيبةً للمكانة، أو رغبةً في نيل الرضا! أما هي فقد آثرت أن تكون صادقة مع نفسها، وأن تقول ما يمليه عليها ضميرها، وهذا في نظري من أنبل صور الأدب وأرقى معاني الاحترام.
ثم أوضحت لها بعد ذلك أن ذلك الشعور لم يكن إلا انفعالًا عابرًا اختلطت فيه المشاعر، ولم يكن تعبيرًا عن حقيقة مستقرة في نفسي. فأنا، بحمد الله، لا أعرف الانتقام في عملي، ولا يمكن أن أُعاقب طالبًا بإنقاص درجاته أو بالتعمد في ظلمه، لأن الأمانة العلمية عندي مبدأ لا يقبل المساومة، والعدل بين الطلاب واجب لا يتغير باختلاف المشاعر. وما خطر ببالي في تلك اللحظة لم يكن سوى ومضة إنسانية طفولية سرعان ما انطفأت أمام سلطان العقل والضمير.
وفي موقف آخر، كنت أرى أن ذلك الطالب يتأثر بأحد الزملاء، لكنها خالفتني مرة أخرى، وقالت بكل هدوء وثقة إنها لا ترى الأمر كذلك. ولم يكن اختلافها عنادًا، بل كان اختلافًا نابعًا من قناعة صادقة، ولذلك ازداد تقديري لها، لأن الشخص الذي يحترمك حقًا ليس من يردد كلماتك، وإنما من يمنحك رأيه كما هو، دون تزويق أو خوف.
إن الشخصية القوية لا تُقاس بارتفاع الصوت، ولا بكثرة الاعتراض، وإنما تُقاس بالقدرة على التعبير عن الرأي بأدب، والثبات عليه بالحجة، والاستعداد لمراجعته إذا ظهر الحق في غيره. وهذه الصفات وجدتها فيها مجتمعة، فكان إعجابي بها إعجابًا بشخصيتها قبل أي شيء آخر.
كل الاحترام والتقدير لهذه الابنة العزيزة، والتلميذة الغالية أميرة غانم.
وكم إنني سعيد بها، وفخور بما تمتلكه من صفاء قلب، واستقلال فكر، ونبل خلق. وأسعد ما في الأمر أنها لم توافقني لأنني أستاذها، بل اختارت أن تكون وفية لما تؤمن به، وأن تتحدث بلسان ضميرها لا بلسان المجاملة.
وأحسب أن الأستاذ الحقيقي لا يبحث عن طلاب يصفقون له، وإنما يفرح بمن يحاورونه بعقولهم، ويختلفون معه بأدب، ويقولون له: "أراك مخطئًا" إذا رأوا ذلك. فمثل هؤلاء هم الذين يمنحون للحوار قيمته، وللعلم رسالته، وللإنسانية أجمل .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق