2011-10-07

فى ذكرى أكتوبر: فى بيتنا قمر


(1) ظابط دكتور. كنت دون الرابعة حين قامت حرب أكتوبر. وقتها كان قريبنا ووالد رفاق الطفولة‘ضابط دكتور فى بورسعيد قبل الحرب بعامين..ساحرا كان هو فى الزى العسكرى مضافا الى وسامته الطبيعية.. كان أقرب الى محمود عبد العزيز فى فيلم "حتى آخر العمر"..

قمراً كان.. طلته لا تقاوم.. لا أعلم كيف احتملت زوجته أن تفارقه.. هل فعلت لأن مصر يومها "كانت" أغلى من الكل"؟ أم لأنه لم يكن هناك مفر..لاأدرى..يوم شعرباقتراب الحرب،هاتف والدى قائلا :" شئ ما فى الهواء.. العيال وصيتك."اغلق أبى السماعة و أحضر الزوجة و الطفلين لبيتنا النائى فى المنطقة الصناعية من البلدة دون كلام..عشنا فى بيت واحد طوال رمضان و لم نتركهم يرجعون الا بعد النصر والعيد..كان الحديث الدائر طوال الوقت بيننا كأطفال عن البطل القمر..ثم نزل صاروخ اسرائيلى على المنطقة الصناعية.. كان أبى يهرع فى كل مكان.. يحمل صغيرة البطل على كتفه.. مسئولاً عن الأسرة و المصنع.. اختبأت أنا وابن البطل فى ركن بعيد نرقب الموقف حتى هدأ.. فى الليل حملنا فوانيسنا الصفيح، تلك الفوانيس ذات الشمعة الحقيقية التى تلسع يدك، و نزلنا تحت المكتب:
(2) - هل تظن الصواريخ تأتينا هنا؟"
- "ممكن. من فتحات الشيش." جرينا وسددنا جميعها بالقطن والملابس.
-ما الوضع الآن؟
-أحسن.. وعموما بابا البطل سيحمينا لو حاجة حصلت.
-أبويا جابكم تعيشوا معانا
-خلاص.. نبقى خالصين
-عارفة لو الاسرائيليين جم هنا حنعمل فيهم ايه؟
- ايه؟
- حنربطهم فى حبل المرجيحة و نضربهم.
- بإيه؟
- "بالحزام.. لا بالشبشب.. لا بالمنفضة. هئ هئ..فى خرم هناك أهه! حيدخل منه صاروخ تانى".. نجرى لسد الفتحة ونعود تحت المكتب.
يوم أن عبرنا،ظل صديقى الصغير يرقص ويقول أنا حأطلع ظابط دكتورزى بابا.."سالته: هى البنات بتطلع ظابط دكتور برضه؟" " لا طبعا" مرت الأيام و أصبح هو الظابط وأنا الدكتورة وظل القمر فى وسامته وزيه العسكرى الساحر ومعنى وجوده هناك على الجبهة فى بورسعيد يعالج و يضمد .ظل القمر مضيئا فى بيتنا وفى قلوبنا.وظل أبى فى شهامته وحكمته وحمايته للممتلكات والأرواح على الجبهة الداخلية قمرا آخر.لم يكن أى منهما يمثل نفسه فقط. بل كانا حالة شعب بأكمله تشبه الأيام الأولى الكريستالية من ثورة يناير ولاتشبه اى شئ أراه الان من إضرابات ومخالفة لكل القوانين وريبة وشك ويأس .لازلت أردد الأغانى.كيف لا أزال أحفظها وأنا التى أصبحت أنسى اسمى احيانا؟ بسم الله.الله أكبر بسم الله..حلوة بلادى السمرا بلادى..خللى السلاح صاحى صاحى..وعاد البطل بعد أحداث الثغرة.
(2) يا ترى انت فين يا مرزوق؟ "بابا أنور بطل السلام.بأبعت لك مليون سلام وبأقولك يابابا أنورسير سيرواحنا وراك.." وقفت أغنى هذه الكلمات طفلةَ فى السابعة وأنا أبكى.سافر رفقاء الطفولة أبناء البطل الى البلد الخليجى مع والديهما.ضاق الحال وزاد العيال ولم يعد هناك حل.حتى نحن حاولنا السفرولم نفلح.كان كل شئ يتغير فوقفهم الكباروالصغار.كان يبدو أنه يتغير للأحسن.الكل يسعى لتحسين حاله.حركة عمران كبيرة. بعض من أقاربنا الآخرين لا يتكلمون سوى عن الأسمنت والحديد.أشياء جديدة ساحرة: شامبو.. كاميرات..سيارات..كمبوت..لولى بوب..آيس كريم فى علب عوضا عن بائع الجيلاتى..دنيا جديدة..كنا نتغير دون أن ندرى..من سافر أو من لم يسافر..الكل كان فى قلب خلاط أسمنت كبير يعلو بنا أحيانا أو يهبط.. لم أكن أعى عمق التغييرات وقتها..فشلت المحاولات لاقناعى بأن هناك شيئا ما فى هذا الكون يستحق أن يحرمنى من أصدقائى..كففت عن البكاء يأسا فى النهاية وظللت أنتظر منهم الجواب وشريط الكاسيت والأجازات..فى الاجازات تميز كل شئ بروائح الخليج..النفتالين فى الحقائب والبارفانات الفخمة فى الملابس.بهجة الهدايا ولوعة النهاية..بات واضحا كم يتغير كل شئ..معتما فى البداية..واضحا فيما بعد..قاسيا فى النهاية..كأن الغربة تطحن العظام وتغير صلصال التكوين وتعيد الخلق ثانية.. ظل الأحباب أحبابا..جدد..وتغيرت مواضيع الحديث..أصبحنا نتكلم عن العباءات والشمسيات والمراوح والذهب والمصيف واللعب والشيكولاتة المستوردة وثمن الغربة والرغبة الدائمة فى العودة و"ذُنب المصريين بعضهم لبعض" وحرارة الجو المستحيلة..وانحباس الأطفال فى غرف مكيفة مغلقة..والحدود وكراهية العرب لمعاهدة السلام وكيف انعكس ذلك على الأطفال المصريين فى مدارسهم هناك..عاد القمر وأسرته من الخليج..وتحولت حرب أكتوبر لمجموعة من الأفلام العظيمة والأغانى الساحرة.. تومض أسبوعا فى العام ثم تخفت.
(3) على خلفية الإحتفالات الجديدة بعد الثورة: عاش القمرمثل كل الناس .ازدهر، انطفأ،كسب وخسر، أخطأ وأصلح، يوم حلو ويوم مر،فى كل أحواله كان مثل مصر ذاتها، يمثل روحها وعذاباتها، ينكرضعفه ، يقاوم ، يكرم ضيفه ويرتدى عباءة الكبيرحتى لو ثقلت عليه. تقف أمام محاولاته الانسانية الدؤوبة بإحترام. لاأتذكر أنه حكى لنا فيما بعد أى شئ عن تجربة الحرب..هل لشدة عمقها وألمها أم لغرابة التحولات التى أعقبتها فأنست الناس كيف كانت مصروكيف أصبحت؟ لا أجد اجابات.كانت ظاهرة وجب التوقف أمامها.لماذا توقف الناس فى الثمانينات والتسعينيات وما بعدها عن مناقشة الحرب..الحكاء عن الحرب..استدعاء الذكرى الشخصية للحرب..هل كان هذا متعمدا أم مصادفة؟ سألت زوجته ..كيف كان الحال وقت الحرب وكيف شعرت و لماذا لم تحكِ لنا؟..انتعش صوتها الواهن وغمرتنى بفيض من التفاصيل.مروقت طويل وهى تحكى..لا تلاحق تدفق الذكرى أحيانا..سكتت..بكت..قالت:" كنت أبحث عنه فى حلمى طوال ليلة أمس..كان فى الحلم صغيرا..مثل أصغر أحفادى..تائها..كنت أبحث وأنادى..أعدتيه الى بحديث الشجون هذا"..عن جد..علينا أن نبحث كلنا عنه يا خالة!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اقرأ المقال الأصلي علي بوابة الوفد الاليكترونية الوفد - الوفد

هناك تعليق واحد:

Kawthar يقول...

جميلة جداً، مؤثرة جداً...لا أدري ما أقول... ممتعة و معبرة هي قصصك يا دكتورة منى...