دكتور محمد الشافعي
لم يعد الغلاء مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل صار واقعًا خانقًا يفرض نفسه على تفاصيل الحياة كلها. لم تعد النقود — أيًا كان مقدارها — قادرةً على الصمود أمام موجةٍ متلاحقة من الزيادات، حتى غدا الإنسان يدخل يومه وهو يحسب، ويخرج منه وهو يعجز عن الفهم: أين ذهبت كل هذه الأموال؟
فلم تعد المسألة شكوى عابرة من غلاءٍ طارئ، بل غدت واقعًا ضاغطًا يطوق حياة الناس من كل جانب.
وفي قلب هذا المشهد، تقف بعض النماذج الصارخة التي تجسد هذا الخلل. فمحلات الفسيخ، وعلى رأسها محل المتوكل [ مليونيرات الغربية]، تقدم مثالًا واضحًا على انفصال السعر عن القيمة. سلعةٌ يعلم الجميع طبيعتها، ورائحتها، وطريقة إعدادها، تُباع بأرقامٍ تتجاوز حدود المعقول، حتى بلغ سعر الكيلو ما يقارب 550 جنيهًا، بينما يقف السمك البوري — الطازج والأقرب إلى المنطق — عند حدود 250 جنيهًا فقط. مفارقة لا يمكن تفسيرها إلا في إطار جشعٍ يستند إلى الإقبال، ويستغل غياب البديل أو ضعف الرقابة.
والأدهى من ذلك، أن الإقبال لا ينقطع، بل يمتد في طوابير طويلة، وكأن الناس قد أُجبرت على القبول بهذا الواقع، أو استسلمت له، حتى صار التاجر يضاعف أرباحه أضعافًا، في موسمٍ واحدٍ قد يدر عليه الملايين، دون أن يقف لحظةً ليسأل: أين الحد؟ وأين الرحمة؟
ولا يختلف الحال كثيرًا في سوق اللحوم، حيث نجد نماذج أخرى، مثل محل فليتو للحوم، الذي تجاوز بأسعاره الحد المتوقع، فارتفع سعر الكيلو إلى ما يقارب 540 جنيهًا، في وقتٍ كان يُفترض فيه أن يكون أقل من ذلك. ومع ارتفاع السعر، لا يشعر المستهلك بأنه يحصل على قيمةٍ موازية، بل يزداد الشك في الجودة، وتتعاظم المخاوف من غشٍ يتسلل في الخفاء.
أما الدواجن، فقد دخلت هي الأخرى دائرة الشك، إذ لم يعد الغلاء وحده هو المشكلة، بل ما يصاحبه من ممارساتٍ تثير الريبة، حيث تُباع أجزاءٌ منفصلة دون وضوحٍ كافٍ لمصدرها أو حالتها، فيجمع المواطن بين مرارة السعر وقلق الجودة.
ثم تأتي بقية تفاصيل الحياة لتكمل المشهد: إيجاراتٌ بلغت عشرة آلاف جنيه شهريًا في مناطق مثل الاستاد، فواتير مياه وكهرباء وغاز تتزايد بلا هوادة، ومواصلاتٌ لم تعد تراعي مسافةً ولا ظرفًا، حتى صار التوكتوك يفرض أجرًا مبالغًا فيه على مسافات قصيرة، والتاكسي يبدأ من أرقامٍ تثقل كاهل أي راكب.
في ظل هذا كله، لم يعد المواطن يبحث عن رفاهية، بل عن قدرةٍ على الاستمرار. أصبح العيش ذاته معركةً يومية، تتطلب حسابًا دقيقًا، وتنازلاتٍ مؤلمة، وصبرًا يوشك أن ينفد.
أما الحل، فلا يمكن أن يكون بالصمت أو التكيف وحده. لا بد من رقابةٍ حقيقية تضع حدًا لهذه الفوضى، ولا بد من وعيٍ مجتمعي يرفض المبالغة ويقاطع الاستغلال، ولا بد من ضميرٍ تجاري يدرك أن الربح لا ينبغي أن يكون على حساب خنق الناس. فحين يختل الميزان إلى هذا الحد، لا يصبح الإصلاح رفاهية، بل ضرورة لبقاء المجتمع متماسكًا، قادرًا على أن يعيش… لا أن يكتفي بمحاولة النجاة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق